أذكر كما يذكر غيري قبل ثلاثين عاماً فقط، ندرة الأطباء السعوديين في التخصصات كافة، وكيف كانت مستشفياتنا العامة والخاصة تعج بالأطباء المتعاقدين من دول مختلفة عربية وغير عربية، وكان الطبيب السعودي كالفاكهة بينهم كما نقول. وينطبق ذلك على الممارسين الاعتياديين في المستشفيات والمستوصفات، كما ينطبق على الاستشاريين في كليات الطب التي كانت ناشئة وقتها، وكان يندر فيها الاستشاريون السعوديون، حتى وصل جيل من الأساتذة الكبار من ألمانيا إلى كلية الطب الفتية آنذاك في جامعة الملك عبدالعزيز على سبيل المثال من أمثال: عدنان جمجوم رحمه الله، وأسامة شبكشي وعبدالله باسلامة حفظهما الله، وسواهم مع حفظ الألقاب، وقامت على ذلك الرعيل الأول مسيرة كلية الطب في جامعة المؤسس، وعلى سواهم من الرواد في الجامعات الأخرى وفي مقدمتها جامعة الملك سعود التي حفلت بالجيل الأول من أساتذة الطب الذين خرّجوا آلافاً من الأطباء المهرة. وبالطبع تلقفت الجامعات الخريجين المتميزين لتعيينهم معيدين، ومن ثم يبتعثون إلى كل أنحاء الأرض، وفي الدول المتقدمة خصوصاً مثل أمريكا وكندا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وسواها، ومنذ عقد أو عقدين بدأت طلائع الأطباء الاستشاريين تتدفق على الوطن بعد أن أتموا دراساتهم التخصصية العليا في تلك البلدان، ونالوا أرفع الزمالات منها التي تعدل الدكتوراه في التخصصات الأخرى، ورجعوا إلى وطنهم ليردوا جزءاً من دَينه وحقه عليهم بأن أوصلهم بتوفيق الله تعالى إلى ما وصلوا إليه من علم وخبرة ومهارة فبتَّ تراهم في المستشفيات الجامعية والتخصصية ومستشفيات القطاع الخاص ملء السمع والبصر، ولأن تأهيلهم عالٍ ومن أكثر الدول تقدماً في العلوم الطبية، فإن المرضى أصبحوا يسعون إليهم دون سواهم من الاستشاريين من جنسيات مختلفة لأنهم يعلمون أن تلك الفئة الأخرى أقل تأهيلاً كونها تخرجت في كليات عربية أو في دول نامية، وأود أن أستشهد هنا بواقعة رائدة حدثت معي شخصياً حين كنت في بريطانيا مؤخراً وعرضت بعض أهل بيتي على طبيب بريطاني شهير في جراحة المسالك البولية هو الدكتور Ben Jackson، من: Spire Leicester Hosp. إضافة إلى Nuffield Health Leicester، أي أنه عامل في المستشفيات الحكومية والخاصة في بريطانيا، وبعد أن شخّص الحالة وأكد على ضرورة إجراء عملية دقيقة للغاية، قال لي بالحرف الواحد: اذهب واجرِ العملية في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، فهم أكثر خبرة منا، وقد أجروا هذه العملية، (وذكر عدداً لا أذكره من المرات)، بينما أجرينا نحن فقط: (وذكر عدداً آخر أقل من عدد المرات التي أجريت فيها العملية في التخصصي، لا أذكره كذلك)، والرجل حي يرزق، ولدي كل أرقام الاتصال به، وقد سمعت نصيحته وأُجريت العملية في تخصصي الرياض، ونجحت ولله الحمد نجاحاً تاماً، على أيدي ثلاثة من الأطباء السعوديين من الأساتذة الكبار واحد منهم من جيل الشباب الذين أتحدث عنهم من أساتذة جامعة الملك عبدالعزيز بجدة المتعاونين مع المستشفى التخصصي. ولابد لي من ذكر تجربة أخرى كانت في كندا في التخصص نفسه حين أجريت عملية دقيقة في الكلى كذلك في كبرى مستشفيات مدينة (وينبك) بولاية (فيتوبا) على يد استشاري سعودي شاب يعمل فيها (وهو الآن رئيس قسم) ويتهافت عليه الكنديون ويحجزون مواعيد بالشهور.

نعم، حق لنا أن نفاخر بأطبائنا السعوديين الشبان الذين أعرف منهم العشرات، وأفخر بأن ابني واحدٌ منهم، ويشمل ذلك الطبيبات الشابات، ولولا خشيتي في أن أنسى بعضهم لسردتُ عشرات الأسماء بكل فخر واعتزاز في كل التخصصات الطبية دون استثناء.