في تلك القرية الصغيرة من قرى منطقة حائل، وفي أحد بيوتها الطينية، صافحت عيناي نور الحياة بجسدٍ ضعيف. وفي خضم فرحة الأم بمولودتها، لم تلحظ أنها مختلفة عن غيرها من الأطفال. مر عام وطفلتها لم تنمُ كباقي الأطفال، وحركاتها محدودة. هنا بدأت الأم تتساءل: لماذا طفلتي تبدو مختلفة؟، وبدأت رحلة العلاج والبحث عن الأسباب.

بداية الرحلة كانت في مدينة حائل، وعندما بلغتُ السادسة، تم تحويلي إلى أحد مستشفيات الرياض، وهناك بدأتُ المرحلة الثانية والمهمة من العلاج. أُجريت لي عدّة عمليات، فخطوتُ بعدها أولى خطواتي بعكازين، وكانت نقطة تحوُّل في حياتي. بإصرار مني، وتشجيع من والدي -رحمه الله-، دخلتُ مدرسة القرية مع زميلاتي السليمات. أنهيتُ المرحلة الابتدائية بتفوُّق، ثم أُجريت لي عملية كادت أن تكون عقبة في طريقي، حيث أثَّرت على حركتي، فلم أتمكن من الانتظام في الدراسة.

سجلتُ للدراسة عن طريق المنازل، حرصًا على عدم ضياع سنة من دراستي، ونجحتُ بحمد الله، فعدتُ إلى مقاعد الدراسة منتظمة في ثاني متوسط، وواصلتُ مشوار تفوُّقي في المرحلة المتوسطة. نهاية تلك المرحلة شهدت نقطة تحوُّل، ومنعطفاً مهماً في حياتي، كان له أثره على مسيرتي، إذ تم افتتاح معهد إعداد المعلمات في قريتنا. حاولتُ التسجيل للدراسة في المعهد، لكن تم رفضي بسبب إعاقتي، فاتجهتُ للدراسة في المرحلة الثانوية في قرية مجاورة. أنهيتُ الثانوية بتفوُّق، وأخذت أتطلع وأطمح للحصول على الشهادة الجامعية، لكن لم يكن في منطقتي أية جامعة. بدأت المحاولات ممَّن حولي لإقناعي بالاكتفاء بشهادة الثانوية، فهي تُؤهلني للحصول على وظيفة.

بتوفيق من الله، ثم إرادتي، تمكنتُ من التسجيل في جامعة الملك سعود بالرياض، رغم تخوُّف والدي، لاسيما أني أوّل فتاة من قريتنا تخوض تجربة السفر خارج المنطقة طلباً للعلم. تم قبولي في الجامعة، وتحديداً في كلية الآداب قسم الدراسات الاجتماعية. سافرتُ إلى الرياض، وبدأتُ استكمال خطوات التسجيل لأتفاجأ بعدم قبولي في القسم الذي أحببته، والسبب إعاقتي. عندها توجهتُ إلى قسم آخر في الكلية، وقضيتُ سنوات دراستي في جامعة الملك سعود في سكن الطالبات، رغم إعاقتي. اعتمدتُ على الله ثم على نفسي. واجهتني صعوبات، لكني اجتزتها بالعزم والإصرار. وفي السنة الأخيرة من دراستي الجامعية قدمتُ طلباً للدراسات العليا لتتواصل مسيرتي العلمية للحصول على الماجستير في التاريخ الحديث، وامتدت إقامتي في سكن الطالبات لتصبح عشر سنوات تقريباً، تُوِّجت بحصولي على الماجستير

.

وهنا بدأتُ رحلة ومرحلة جديدة امتدت خمس سنوات في محاولة الحصول على وظيفة، لكنها قُوبلت بالرفض، والسبب أني معاقة. لم يُقلِّل رفضهم من عزيمتي أو ينهِ طموحاتي، فبذلتُ الأسباب متوكلة على الرزاق ذي القوة المتين. وأخيراً حصلت على وظيفة محاضر في جامعة حائل. بعد عام من تسلمي لوظيفتي ابتُعثتُ لدراسة الدكتوراه في جامعة أم القرى في مكة المكرمة، فعدتُ إلى مقاعد الدراسة، التي قضيتُ جزءاً منها في سكن الطالبات. وبفضل من الله حصلتُ على درجة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بتقدير ممتاز ولله الحمد. عدتُ إلى جامعتي، وباشرتُ عملي في قسم العلوم الاجتماعية كلية الآداب تخصص التاريخ.

تلك هي الدكتورة مريم فريج المهوس، وهي نموذج لتحدي مُعوِّقات الحياة بكل ما فيها.