أحزنني خبر توجه رئيسة مورشيوس أمينة غريب» للتنحي عن الحكم، للحظات، قبل أن أبتهج لاستمرار القارة الأفريقية في خطها الجديد نحو تطهير الفساد!، أما مصدر الحزن الوقتي فهو معرفتي بالسيدة أمينة غريب أول رئيسة مسلمة لهذه الدولة الأفريقية الجميلة، فضلاً عن كون الاتهام ينحصر في اتهامها «مجرد اتهام» باستخدام بطاقة ائتمانية أصدرتها منظمة غير حكومية دولية في شراء ملابس ومجوهرات للزينة الشخصية. وبالإضافة لذلك فإن مورشيوس الجميلة التي سميت قديماً بـ»دنيا العروبة» تحتض واحداً من أكبر وأجمل مساجد أفريقيا والعالم وهو «المسجد الأقصى»!

أما مصدر البهجة، فهو إصرار الاتحاد الأفريقي على المضي في تطبيق أجندة مكافحة الفساد، حيث تم إلقاء القبض على رئيسة ملاوي السابقة «جويس باندا» لتورطها بالفساد وإساءة استغلال السلطة. وفى نيجيريا حيث كشفت لجنة الفساد المالى والاقتصادي عام 2015 عن تورط وزير النفط فى صفقات مشبوهة. وفي أثيوبيا حيث تم الإيقاع بشبكة فساد تورط فيها أعضاء من الحكومة مع بعض رجال الأعمال.

أعود لحالة الشجن التي انتابتني فور صدور خبر قرب تنحي أمينة غريب رئيسة مورشيوس التي وصفت بلادها كذلك بأنها «جنة الله على الأرض»! فأقول إن العملية الديمقراطية تمضي بسلام واتساق تام في تلك الجزيرة التي كان البحارة العرب أول من اكتشفوها قبل مجيء البرتغاليين في القرن السادس عشر الميلادي، ثم الهولنديين، ثم الفرنسيين، ثم البريطانيين، قبل أن تعلن استقلالها عام 1968، ثم إن السيدة أمينة التي التقيتها ذات يوم في مدغشقر تقول إنها ردّت كل الأموال التي أنفقتها، مؤكدة أنها لا تدين بأي شيء لأي أحد، متسائلة: «لماذا ظهر هذا الأمر على السطح مجددًا بعدما يقرب من عام، عشية احتفالاتنا بيوم الاستقلال؟!»

أخشى والحال كذلك، أن يكون المستهدف هو استقرار هذه الجزيرة الثرية التي سيطر القادة العسكريون على السلطة فيها عقب انتخابات 1982، قبل أن يعلن رئيس الوزراء انسحابه من حركة مورشيوس العسكرية وتكوين حزب جديد هو «الحركة الاشتراكية العسكرية» والفوز في انتخابات عام 1983..لكنني في الوقت ذاته، كنت شاهداً على حجم الفساد الضخم في القارة السمراء في التسعينيات حيث تختلط أرض الدولة بأرض الرئيس، وثروات الدولة بثروات الرئيس، وشركات الدولة بشركات الرئيس!

تناولت الغداء ذات مرة في مزرعة نعام يملكها جنرال إفريقي يعمل قائداً للحرس الجمهوري، قبل أن أعلم أن كل نعّام الدولة تابع للجنرال، وحين كان العشاء على البحر، علمت أن كل قوارب الصيد ومطاعم السمك فضلاً عن كل أسماك البحر تابعة لوزير الداخلية!.

على أن مسببات الشك لدي بالنسبة لرئيسة مورشيوس لا تكمن فقط في كونها عالمة أحياء ونباتات شهيرة ألفت نحو 28 كتاباً في مجال حفظ التنوع البيولوجي والتنمية المستدامة، دفعت دفعاً للتقدم لانتخابات الرئاسة، وإنما للنهم الاستعماري الجديد الذي يأخذ أشكالاً متعددة في أكثر من دولة إفريقية وعربية، فما بالك إذا علمت أن مورشيوس تعتبر من أعلى دول إفريقيا في مستوى المعيشة؛ حيث يبلغ دخل الفرد الواحد فيها 9 آلاف دولار!.

أتذكر هنا، كذلك تصريحاً شهيراً لرئيس الوزراء عندما رشحها للمنصب قائلاً: لقد رشحناها لأننا نريد شخصًا لا علاقة له بالسياسة، ويتمتع بمصداقية محلية ودولية، فما الذي جرى؟!

هل طمعت الرئيسة الحاصلة على العديد من الجوائز والأوسمة في شراء بعض الملابس والمجوهرات للاستخدام الشخصي! أم أن الفساد وصل بالفعل لمورشيوس «بلاد الواق واق» أم أنه الطمع الاستعماري العالمي في جمهورية أفريقية ديموقراطية مبنية على نموذج ويستمينستير، الذي يضمن الفصل بين كل من القوى التشريعية والتنفيذية والقضائية؟!

** كنت أنهي المقال، عندما وردني خبر عاجل بخصوص الافراج عن رئيسة الوزراء البنجلاديشية السابقة وزعيمة المعارضة الحالية خالدة ضياء، إيذاناً أو استئذاناً من رئيسة الحكومة الحالية وزعيمة المعارضة السابقة حسينة واجد.. ومن حسينة الى خالدة ومن خالدة لحسينة.. جولة سادسة أخرى!.