لَكُم أن تضعوا ما تشاؤون من علامات الاستفهام والتعجب أمام عنوان المقال الذي يأتي متزامنًا مع افتتاح معرض الرياض الدولي للكتاب اليوم الأربعاء.. العنوان أعلاه يمثِّل عتبةً أولى ندلف منها إلى عوالم الكتاب الذي يمثل بدوره عتبةً للولوج إلى فضاء المستقبَل بكل حمولاته؛ فالكتاب يظل المنطلق إلى صناعة الثقافة، والوسيلة الأمثل لصناعة المنجَز الحضاري لأي أمة، والمرقى الأول في سُلَّم النهضة والتقدم في المجالات كافة.

وبالعودة لعنوان المقال فمعلوم أن المستقبَل هو الهدف الأسمى الذي تتسابق عليه الأمم، وتُسخِّر إمكانياتها ومقدراتها كافة لضمان السيطرة عليه والإمساك به، من هنا يأتي الكتاب بوصفه الوسيلة المثالية للدخول إلى فضاء المستقبل والإمساك به، وحين تُعطي أمةٌ الكتابَ حقَّه من الاهتمام والعناية فإنها تكون قد أمسكت بالمستقبل وهذا ما عنيتُه بعنوان المقال.

وقد أجاد القائمون بأمر معرض الرياض في دورته الحالية عندما اختاروا له شعار (الكتاب.. مستقبل التحوُّل) حيث جاء الشعار مكثفًا ولافتًا ليعبر عن المرحلة التي يعيشها المجتمع السعودي ويشهد من خلالها تحولات نوعية، وهو ما يجعل الكتاب الركن الركين في تلك التحولات.

لا يتوقف الأمر عند كون الكتاب يمثل الركن الأهم في عملية التحول، فشعار المعرض يشي بأن الكتاب سيكون هو (المستقبل) والهدف والمقصد الذي تسعى له عملية التحول المتسارعة. معرض الرياض يأتي بوصفه من أهم معارض الكتب في الوطن العربي حيث تجاوزت كثافة زواره في دورته الماضية الـ (٤٠٠) ألف زائر، وبلغ إجمالي مبيعاته (٧٢) مليون ريال -بحسب صحيفة الجزيرة (١٤٣٩/٦/٢٤هـ)- وهو ما يشكل إغراءً لدُور النشر والمؤلِّفِين الذين يجعلون معرض الرياض في مقدمة اهتماماتهم وأولوياتهم.

في معرضَي (الرياض وجدة) للكتاب يتجاوز زوار كل معرض مئات الآلاف في كل دورة، وهذا يُعطي مؤشرًا صادقًا على ارتفاع قيمة الكتاب، وزيادة الإقبال على فعل القراءة، بالتالي ارتفاع مستوى الوعي، ومهما حاول المثبطون التشكيك في نسبة الزوار ومقاصدهم، أو في حجم المبيعات، أو في ندرة القرَّاء النوعيين والجادِّين، فإن مجرد توافد هذه الأعداد للمعرض وشرائها الكتب يُعد تحولاً مرغوبًا في وعي المجتمع، ويعد خطوة متقدمة في مشوار الألف ميل.

أمر آخر يثيره البعض ليدلل على انحسار الإقبال على الكتاب الورقي حينما يدندن على أن الأجهزة الذكية لم تترك شيئًا إلا وفرته، ومن ذلك الكتاب الذي يسهل تقليب صفحاته عبر الجهاز الكفي، ويتجاهل هؤلاء أن أكثرية مستخدمِي تلك الأجهزة الذكية لم يهتدوا بها لقراءة كتاب واحد، وأقصى ما يحصلونه منها لا يعدو كونه أخبارًا وطرائف، وأحيانًا عبثًا وغثاءً، ومع هذا يظنون أنهم يقرؤون حين يجعلون من مجرد امتلاكهم لهذه الأجهزة دليلاً على شغفهم بالقراءة وحجةً على إغنائها إياهم عن الكتاب الورقي.

مما يُحمد لمعرض الرياض في دورته الحالية التفاتته للدول العربية باستضافته دولة الإمارات الشقيقة، وتقليصه عدد الندوات المنبرية إلى (٨) ندوات، وتركيزه على فئة الشباب في ندواته وفعالياته وورشه ولقاءاته. وإن كان من رجاء فهو أن تتولى وزارة الثقافة والإعلام التنظيم والإشراف على معرض جدة الدولي للكتاب -أسوة بمعرض الرياض- وأن توفر له أمانةُ جدة وغرفتُها التجارية مقرًّا يليق به؛ حتى نطمئن على استمراريته.