اعتدت أن أسمع منه كثيراً شكواه وتذمره من أن ابنه حصل على درجة البكالوريوس منذ قرابة سنتين ولم يجد وظيفة مناسبة حتى الآن. سألته هل يتحدث اللغة الإنجليزية؟ فقال لا.. هل يجيد استخدام الحاسب؟ فقال «نوعاً ما، استخدام بسيط».

قبل أيام دار بيننا مجدداً حديث عن ابنه وعن البطالة في البلد، فقلت له إن الخطط التصحيحية منحت فرصاً للعمل والاستثمار في مجالات عديدة كالميكانيكا والكهرباء والسباكة، ناهيك عن الأعداد الكبيرة للمحلات التجارية الصغيرة المغلقة المعروضة للتقبيل ومنها بقالات ومحلات شراء وبيع الخضار بالجملة وغيرها.. ولم أكد أكمل كلامي حتى قاطعني قائلاً بانفعال «قلت لك أن ولدي حاصل على البكالوريوس.. ثم هل ترضى أنت أن يعمل ولدك في هذه المهن اليدوية حتى لو كان دخلها عشرات الآلاف شهرياً؟ قلت له: «هذه مهن شريفة، فما العيب أن يعمل ابني وابنك بها؟!..، فردَّ بلهجة ساخرة «نعم هي مهن شريفة وكلنا نقول ونردد ذلك، لكننا في الواقع لا يمكن أن نقبلها لأنفسنا أو لأولادنا». وأضاف قائلاً: «تخيل أن تذهب لخطبة فتاة لابنك وتقول لهم إنه ميكانيكي أو كهربائي أو نجار حتى لو كان يملك المحل الذي يعمل فيه، هل سيقبلون به؟».

أدركت بعد هذا النقاش أن جزءاً كبيراً من مشكلة البطالة لدينا يرتبط بموروثات وعادات سيئة لم يستطع كثير منا الخلاص منها حتى الآن.. موروثات وعادات تفضل كلمة عاطل «طفران» على كلمة ميكانيكي أو كهربائي أو بائع خضار ميسور أو غني.

وللعلم فإن ابن صديقي العاطل يمتلك سيارة لايقل سعرها عن 80 ألف ريال، كان يمكنه بأقل من نصف ذلك السعر الاستثمار في نفسه بتحسين لغته الإنجليزية وأخذ دورات في الحاسب وغيره تزيد من فرص حصوله على عمل «مكتبي» مثل الذي يبحث عنه.

أعتقد أننا اليوم نمر بمرحلة مفصلية هامة، الحكومة مسؤولة فيها عن مواصلة خططها التصحيحية بجدية ودون تراخٍ أو توقف، كما أن عليها وضع خطط شاملة مصاحبة تشمل تدريب وتهيئة الشباب لشغل الفرص الجديدة المتاحة، وتوفير فرص التمويل الميسرة لهم للاستثمار في المشاريع الصغيرة.

أما الشباب الباحث عن عمل فالفرص متاحة اليوم أمامهم بشكل غير مسبوق، فإما أن يثبتوا جديتهم وكفاءتهم دون أعذار وتبريرات وتعالٍ وإلا فإن تلك الفرص لايجب أن تظل شاغرة لسنوات غير محددة ويجب فتح المجال مجدداً للأجانب النظاميين لشغلها حتى لا تتعطل مصالح الناس.

للعلم، المقال أعلاه كتبته قبل خمس سنوات ولا زالت إجابتي وستظل «نعم أرضاها لولدي» إذا عجز عن تطويرمؤهلاته للحد المطلوب للوظيفة التي يطمح لها وسأدعمه بكل فخر وشرف. السعودة الجادة لا تبدأ فقط من أعلى، كما أنها لا تبدأ فقط من الوظائف الأدنى، بل تبدأ من الطرفين وفقاً لكفاءة الشخص ومؤهلاته والفرص المتاحة.