أَذهَب إلَى المَكتبَات مَرَّتين أَو ثَلاثة أسبُوعيًّا، أَتصفَّح الكُتب، وأُراقِب العَنَاوين الجَديدَة، وأتَأمَّل الخَطّ التَّأليفي الذي يَستَحوذ عَلَى المُؤلِّفين، ويُغري القُرَّاء والنَّاشرين.. وقَد وَاظبتُ عَلَى هَذه الحَال لمُدّة عَام، فمَاذَا كَانَت النَّتَائِج..؟!

دَعونَا نُرتّب الأمُور، حَتَّى نَصل إلَى المَطلوب..!

لقَد كَانت مُفردة النَّجَاح وأَسرَار النَّاجحين، هي الكَلِمَة الأقوَى والأبرَز، والأكثَر تَداولًا بَين الأَيدِي، فِي قَامُوس التَّأليف، ولَا اعترَاض عَلَى التَّأليف فِي هَذَا المَجَال، ولَكن الاعترَاض أنَّ النَّجَاح خَرج عَن مَسَاره، بحَيثُ أَصبَح التَّنظير للنَّجَاح هو الغَايَة، ولَيسَ تَحقيق النَّجَاح وتَطبيقه، كَمَا هو مَألُوف فِي عُرف العُقلَاء..!

إنَّني أتفهَّم أنْ يَقتني أَحدُهم كِتَابًا؛ عَن طَريقة النَّجَاح، ليَقرَأ الكِتَاب، ثُمَّ أرَاه بَعد سَنَة وقَد نَجح.. هَذه هي الطَّريقَة الصَّحيحَة للوصُول إلَى النَّجَاح، أمَّا مَا هو مُشَاهد ومُلَاحَظ فِي مَشهدنَا الثَّقَافي، أنَّ النَّاس تَتَسَابَق عَلَى تَأليف الكُتب عَن النَّجَاح، وأَسرَار النَّاجحين، وكَيف نَجحُوا.. والقُرّاء يَتلقّفون هَذه الكُتب، مُستَمتعين بسِيَر نَجَاح الآخَرين، دُون أنْ يُحدّثوا أَنفسَهم؛ ليَكونوا هُم مِن النَّاجحين فِي المُستقبَل، وتَكون قصَص نَجَاحهم وتَجاربهم؛ مَادَة للكُتب الجَديدَة، ليَستَفيد غَيرهم مِن نَجَاحَاتهم المُلهِمَة..!

إنَّ قصَص النَّاجحين هِي مَحطّة انطلَاق، ولَيست مَحطة وصُول، بمَعنَى أَن الإنسَان يَتشرّب ويَتأمّل ويَستَوعب؛ كَيف نَجح الآخَرون، وهَذه نُقطة الانطلَاق، ثُمَّ يَبدأ بوَضع طَريقَة؛ لكَي يَكون هو نَاجِحًا مُتفوِّقًا، وهَذه مَحطة الوصُول، فرِحلة النَّجَاح تُشبه -تَمَامًا- رِحلة الطَّائِرَة فِي حَالتي الإقلَاع والهبُوط، فالإقلَاع هو قِرَاءة سِيَر النَّاجحين.. والوصُول إلَى المَحطَّة الأُخرَى، هو التَّطبيق العَملي لِمَا استَقوه مِن تَجاربِهم..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أَنْ أَهمس فِي أُذن؛ كُل مَن يَبحَث عَن النَّجَاح، وأقُول لَه: كَفَاك قِرَاءَة لسِيَر النَّاجحين، وكَيف نَجحُوا.. بَل خَطّط لتَكون أنتَ نَاجِحًا، وتَتحوَّل مِن مَفعولٍ بِه؛ إلَى فَاعل، وإذَا كنتَ بالأَمْس تَقرَأ قصَص النَّاجحين، فليَقرأ النَّاس غَدًا قصّة نَجاحك أَنْت..!!