مصادر التشريع الكتاب الكريم الهدى للمتقين الذي لا ريب فيه وسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم والربط بين أحاديث الحبيب صلى الله عليه وسلم نور يهتدى به للتفسير الصحيح لأقواله والمراد منها والحكمة فيها وقواعد اللغة العربية وسيلة لذلك.

والحديث الذي نحن بصدده حديث شد الرحال القائل فيه حبيب الله وحبيبنا صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى.»

ومصادر اللغة تستشفُّ منها أن في الحديث مستثنى ومستثنى منه والمنع جاء لمستثنى من جنس المستثنى منه ألا وهي المساجد لأنه لو أخذ المنع مطلقاً اعتماداً على لا تشد الرحال لمُنع السفر البتة إلا لثلاثة مساجد، بعكس لو قيد على المستثنى والمستثنى منه فأصبح المنع لشد الرحال قصداً للمساجد، ويزداد الأمر وضوحاً مع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم القائل فيه: «فضل الصلاة في المسجد الحرام عن سائر المساجد بمائة ألف صلاة وفي مسجدي بألف صلاة وفي المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة».. وبهذا يتضح المراد من الحديثين أن منع شد الرحال مقتصر على نية زيادة الأجر، فلا شد لرحال طلباً لزيادة أجر عن غيرها من المساجد إلا للثلاثة مساجد فقط

، وعليه فإن الرحال تشدُّ لأي غرض آخر حتى لو للمساجد، وقد كان ذلك على سبيل المثال عندما تم افتتاح مسجد جبل طارق حيث شد الرحال الشيخ عبدالرحمن السديس للخطبة فيه، وكان سبب شد الرحال هو عمل مبارك.

وقد أخطأ من منع شد الرحال لزيارة الحبيب صلى الله عليه وسلم اعتماداً على حديث منع شد الرحال، ولا أعلم وجه الاستدلال كما وضحنا ذلك، فهو أمر غير مقبول لغة ومنطقاً ونقلاً، في حين أن الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم أمر بزيارة القبور ولم يحدد لها زماناً ولا أن تكون مكان الإقامة، وليس هناك شرف للإنسان يفوق شرف رد السلام مباشرة من الحبيب صلى الله عليه وسلم وذلك لمن يقف على قبره الشريف، أما المسلِّم عليه من بُعد فموكَلٌ بذلك ملَكٌ لتبليغ سلامه للرسول صلوات ربي وسلامه عليه.