منذ وفاة حافظ الأسد والسياسة السورية تعيش تقلبات خطيرة، وقد كان المؤشر الأول الطريقة السريعة التي تم بها تعديل الدستور وتوريث الابن بشار واستبعاد رموز في الحياة السياسية السورية، مثل نائب الرئيس عبد الحليم خدام وغيره، كانت لهم طموحات بأن يكون لهم نصيب في الحكم من خلال عملية ديموقراطية بعد أن اختفى الأب الذي هيمن على المشهد فترة طويلة. وقد تفاءل الكثيرون في داخل سوريا وخارجها بأن بشار الطبيب الشاب بأسرته الصغيرة سيكون جسر التحول وإدخال سوريا في ركاب العصر ويخرجها من عزلتها التي سادت في عهد والده الضابط الذي اعتلى السلطة بانقلاب عسكري واستمر بحنكة سياسية وقبضة حديدية تَمثل أبشعها في مجزرة حماة الشهيرة لفصيل من المتدينين.

الفئة العلوية التي تنتمي لها أسرة الأسد تمكنت في عهد والده وأصبحت مسيطرة على بعض المواقع الحساسة في الحياة السورية، وفي بداية بشار تمكنت أكثر.. وتدريجيًا تسللت إيران بالمال والسلاح لتحقيق أجندة وإستراتيجية إقليمية بعيدة المدى بدأت من العراق ومن خلال حزب الله في لبنان، وعندما بدأ التحرك الشعبي في عام 2011م ضاعفت إيران جهودها للقضاء على الانتفاضة الشعبية في سوريا.

روسيا كانت تخطط لاقتناص الفرصة للعودة للشرق الأوسط من خلال سوريا بموقعها الإستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط وإسرائيل التي احتلت الجولان في 1967م كانت على الدوام تراقب وتلاحق كل خطوات سوريا ولا تتردد في ضرب أي موقع تعتقد أنه يشكل خطرًا عليها.

الولايات المتحدة الأمريكية كانت بطيئة أو لنقل معتمدة على إسرائيل وذلك التباطؤ سمح لروسيا أن تتمركز وتعزز تواجدها في سوريا وبعد أن تجرأ نظام بشار الأسد بمساعدة إيران وروسيا باستخدام أسلحة محرمة دوليًا.. وبعد التحقق من ذلك الانتهاك للمواثيق الدولية ضمنت روسيا أن يتخلص النظام السوري من أسلحة الدمار الشامل التي في حوزته حتى لا تستخدم مرة أخرى ضد المدنيين، ورغم ذلك فقد أثبتت الأحداث بما فيها ما حصل في دوما شمال الغوطة الشرقية في الأسبوع الماضي بأن النظام لم يتخلص من السلاح الكيماوي وهذا ما أثار الأزمة الأخيرة وما حصل في مجلس الأمن من مداولات ساخنة وتكرار روسيا استخدام الفيتو لـ12مرة لحماية النظام السوري والتصعيد الخطير على السلم العالمي بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. وفي آخر تقرير صدر عن «مركز فريال للدراسات في برلين بألمانيا» أظهر أن الصراع على سوريا هو صراع اقتصادي وليس صراع أديان وذلك لأن هناك مخزوناً كبيراً من الغاز الطبيعي على شواطئ البحر الأبيض المتوسط وأن روسيا وأمريكا وبريطانيا يعمل كل منهم على أن يكون له حصة في ذلك المخزون وألا يترك الأمر لروسيا للانفراد بالسيطرة على سوريا

وعلى تلك الثروة الطبيعية التي مقدر لها أن تلعب دورًا فعالًا في استراتيجية الطاقة في العقود القادمة، وهذا العامل هو أهم ما يحرك دواليب السياسة بين القطبين أكثر من مشاعر العطف على ضحايا الكيماوي في سوريا.

والضربات الأخيرة لبعض المواقع في سوريا من قِبل أمريكا وبريطانيا وفرنسا قد تكون مجرد رفع عتب إذا استمر بشار ونظامه في الحكم في سوريا.وبعد كل الذي حصل كيف يمكن أن يكون بشار الأسد ونظامه مقبولًا من المجتمع الدولي والشعب السوري..؟