سائقي البنغلاديشي بارع عند سياقته للسيّارة في تفادي الشوارع الرئيسة التّي تُصاب بالازدحام كما تُصاب الشرايين بالجلطات بسبب الكوليسترول!.

وطريقته في التفادي معروفة في الهندسة المرورية، وهي تغيير المسار الرئيس المزدحم بين نقطتين إلى مسارات فرعية متعرّجة Zig Zag غير مزدحمة، وهو لا يستخدم أيّ تطبيق إلكتروني، بل يُسخّر معرفته بالشوارع، فترونه يتحوّل بالسيّارة من شارع رئيس مزدحم لشوارع فرعية غير مزدحمة ويصل سريعاً إلى المُبتغى النهائي، بينما السيّارات الأخرى التي كانت تسير بجواره في الشارع الرئيس تقبع فيه وتجاهد للخروج منه!.

ذات مرّة وأنا جالسٌ بجواره، مُستمتعاً بطريقته الفذّة في تفادي الازدحام، قال لي: «أبويا.. بلدية بنغلاديش ما في فلوس، وبلدية جدّة في فلوس، لكن شوارع بنغلاديش كويّس، وشوارع جدّة (يقصد الفرعية) خربان»، فنظرتُ إليه بِحنْق، أنّى يتجرّأ وينتقد شوارع جدّة وأمانتها الموقرة؟! هذا الذي ناقص، سائق ينتقد جهة سعودية مهيبة؟! وكِدْتُ أوبّخه وأخصم من راتبه، وأُصْدِر له تأشيرة خروج نهائي، لكنّ شيطاني فارقني فجأة، وحلّق ملاكٌ فوق رأسي، وبدأتُ أرجّح صوت العقل، وخلَصْتُ بأنّه صادق، بل وغيور على شوارع المدينة التي اغترب عن بلده ليعمل فيها لسنوات، وأمانة جدّة لا تفعل شيئاً لشركات الخدمات التي عاثت في الشوارع الفرعية تحفيراً متوحّشاً وترقيعاً عشوائياً، فصارت كالعصف المأكول، رغم وجود «الفلوس» التي أشار إليها السائق، و»الفلوس» حول العالم تعالج عيوب الشوارع وتحلّ مشكلاتها، إلّا في جدّة فإنّها تزيد الشوارع عيوباً ومشكلات، وليت «الفلوس» تقلّ مثل بنغلاديش لعلّ حال الشوارع المُعْوَجّ يتعدّل!.

الزُبدة: أنّه خلال جلوسي في السيّارة بجوار السائق، انسكب كأسُ الشاي الساخن الذي كنت أشربه على ثوبي الأبيض الجديد، وحرقت حرارتُه جلدي المسكين، بسبب حُفْرَة غائرة ظهرت لنا كالبخت المائل فجأةً في الشارع الفرعي الذي كُنّا نمرّ فيه، ورجّت السيّارة رجّا كما يرجّ الزلزال المباني، فما كان من السائق إلّا أن حَزِنَ عليّ، وألحّ إلحاحاً وأصرّ إصراراً على تضييفي كأسَ شايٍ آخر على حساب راتبه المتواضع كهدية، وقد قبِلْتُ أنا الهدية، إذ لا أملك من أمر هذه الشوارع إلّا الرضوخ والاستسلام حتّى تُشْفِق علينا الأمانة والشركات!.