كنا نظنه إجازة بمناسبة دخول فصل الربيع نظرًا للإقبال المتزايد على الحدائق والمنتزهات والملاهي والتنزه والتنقل بين المدن، إلا أن الأمر يزيد عن ذلك بكثير، فشم النسيم عرفه الفراعنة وأقاموا له العديد من الطقوس وظل الأحفاد يتوارثونها جيلاً بعد جيل. المصريون حافظوا على هذا الموروث منذ آلاف السنين وهذا اليوم يمثل لدى المصري القديم الاحتفال بمجيء فصل الحصاد الذي تُبعث فيه الحياة من جديد وتزدهر الطبيعة. وسمي «شمو» حيث كانوا يشمون الأزهار ويقدم الحبيب لحبيبته وردة، والبعض يعتبره عيدًا للتصالح فكل من تخاصم يتصالح في هذا اليوم. ويتزين النيل بالمراكب ليظهر في أبهى صورة خلال الاحتفال، ويأكلون البصل الأخضر والفسيخ (السمك المجفف المملح) والرنقا، ويأكلون أيضًا البيض ومعظم الأطفال والكبار يضيفون إلى البيضة الألوان من الخارج بهدف صناعة البهجة.

ثلاثة أيام متتالية عاشتها مصر منها عيد القيامة، ولعلِّي في هذا السياق أنقل للقراء ما سمعته من البابا تواضروس عبر إحدى القنوات وهو يقول إن هذا العيد يتكرر معنا كل يوم، وأن عيد القيامة له ثلاثة أسماء من بينها «عيد الفصح» وهي كلمة تعني الخروج من الظلمة إلى النور، ويسمى عيد القيامة ويعني النور ويسمى يوم الأحد Sunday

أي يوم الشمس أو يوم النور. ويقول البابا في ثنايا حديثه بأن الإنسان يختار بين طريقين في الحياة هما (صناعة الأمل، أو صناعة الألم) وأن هذه الكلمات في اللغة مكونة من نفس الحروف لكن الفرق بينهما شاسع وأن البشر نوعان: أحدهما يصنع الأمل والآخر يصنع الألم ويلمح بأن القيامة تصنع الأمل، ويصف من يصنع الألم بأنهم يتسببون في آلام الآخرين عبر وسائل متعددة منها «بث الشائعات» والأنانية والعنف وحتى العناد يسبب آلامًا شديدة، هذا فضلاً عن أولئك الذين ينشرون الشكوك واليأس والإحباط.

في ألمانيا وربما في بعض الدول الأوروبية الأخرى يحتفون بهذا العيد أكثر من عيد ميلاد المسيح ويعتبرونه عيداً مقدساً ومدة الإجازة أربعة أيام حتى المستشفيات تُخلي بعض المرضى منها في سبيل إعطاء الفرصة للعاملين فيها للتمتع بإجازاتهم الدينية. كنا نسأل عن صحة إحدى القريبات التي أجرت عمليتين متتاليتين في العظام في غضون أسبوعين وكانت هي من بين من رُشِّحوا لترك المستشفى والعودة إليه بعد الإجازة، وعلى غير المعتاد في مصر مثلاً تغلق كل أماكن التسويق في ألمانيا بدون استثناء وتتعطل جميع المصالح الحكومية وأي أمر يمكن تأجيله يُؤجّل بقوة النظام. وهناك طقوس دينية تمارس خلال هذا العيد الديني وأنواع من الطعام تقدم في هذه المناسبة. لولا الحيز الضيق هنا لتحدثنا قليلاً عن هذا العيد الديني والذي يسمى في الولايات المتحدة «Eastern» والطقوس التي تمارس فيه ووسائل الاحتفاء به.

ما أجمل أن يُلِم المرء بثقافات الشعوب الأخرى ويقوم بدوره في تعريف الآخرين بالألوان الثقافية في بلاده، وقد تجسّد هذا الأمر خلال رحلة سمو ولي العهد لكل من بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا من خلال المعارض الثقافية المصاحبة للزيارة.