منذ أيام، وقبل الضربة الأمريكية البريطانية الفرنسية لنظام الأسد، زار علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري المرشد الإيراني، منطقة (الغوطة الشرقية) في دمشق. ثمة معانٍ مباشرة ورمزية لاحصر لها لمثل هذه الزيارة التي جاءت بعد سقوط آخر معقل لفصائل المعارضة المسلحة السورية قرب دمشق في يد النظام.

خلال تفقده لمواقع مختلفة في الغوطة، صرح ولايتي أن التهديدات الأمريكية بشن ضربة عسكرية «تنم عن غضبها مقابل انتصارات المقاومة في الغوطة الشرقية». والمقصود بالمقاومة في كلامه، بطبيعة الحال، إيران، تحديداً، كرأس حربةٍ في المنطقة لمجموعةٍ من الحكومات والأحزاب والميليشيات.

المفارقة، أن ولايتي وصف الضربة المذكورة، قبل أن تحصل بأيام، على أنها «دعائية». في حين قال السفير الإيراني السابق في سوريا لوسائل إعلام، أيضاً قبل حصول الضربة، إنها قد تترك آثاراً تخريبية على قوات الحكومة السورية، لكنها لن تغير في معادلات الميدان السوري عسكرياً وسياسياً.

وكان المرشد نفسه تبجّحَ، منذ أقل من أربعة أسابيع، في خطابه التقليدي لمناسبة رأس السنة الإيرانية، إن بلاده نجحت في «إفشال المخططات الأميركية» في الشرق الأوسط، ثم أضاف قائلاً: «كل الذين يتدخلون في شؤون العالم يحتجون ويقولون لماذا تتدخل إيران في شؤون العراق وسوريا؟ هل هذا أمر يعنيكم؟».

في مقابل هذه الممارسات العملية والمواقف السياسية الواضحة والفاقعة، يسمع أركان النظام الإيراني التصريح تلو التصريح، لكنهم لايرون شيئاً عملياً يوقف غرورهم. وهذا، فيما يبدو ما يشجعهم على الرد بصلفٍ بالغ، حتى على هذه التصريحات. فمنذ أسابيع قليلة، زار وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان طهران، فيما يبدو مسعىً من الاتحاد الأوروبي لـ «إنقاذ الاتفاق النووي»، قبل موعد ١٢مايو المقبل الذي وضعه الرئيس ترامب، طالباً من الكونغرس الأمريكي والحلفاء الأوربيين إصلاح «العيوب الجسيمة» الموجودة فيه، مع التهديد بالانسحاب منه في حال عدم حدوث ذلك.

في تلك الزيارة، واجه الإيرانيون الوزير الفرنسي بمحاضرةٍ دبلوماسية وإعلامية. فقد أبلغ وزير الخارجية الإيراني نظيره الفرنسي، مثلاً، بأن على الدول الأوروبية الموقعة الاتفاق النووي «أداء دور أكثر فاعلية للحفاظ عليه»، وتابع: «تأييد الاتفاق بالكلام فقط ليس كافياً. إذا كان الاتحاد الأوروبي يحاول إنقاذ الاتفاق، فعليه أن يحاول إبقاء إيران فيه، لا الولايات المتحدة».

في نفس الوقت، وفي توزيع مُعتاد للأدوار بين أركان النظام، قال الناطق باسم القوات المسلحة الإيرانية الجنرال مسعود جزائري: «البرنامج الصاروخي الإيراني سيستمر من دون توقف، ولا يحق للقوى الأجنبية التدخل في هذا الأمر».

في جميع الأحوال، حصلت الضربة، وقد يكون مبكراً الحكم على نتائجها، لكن الدلائل الأولى تشير إلى أنها قد تكون رمزية، خاصةً مع إصرار حكومات أمريكا وبريطانيا وفرنسا على ربطها بالسلاح الكيماوي حصراً، واستعماله من قِبل النظام في (دوما) الأسبوع الماضي. وإذا كان الأمر كذلك، فستكون فرصةً أخرى ضاعت لمعالجةٍ أكثر فعاليةً للدور الإيراني في المنطقة بشكلٍ استراتيجي. يأتي هذا في غضون تقارير كثيفة سبقت الضربة، تحدثت عن صفقةٍ محتملة، بديلاً عنها، تتمثل في انسحاب الإيرانيين من سوريا، كثمنٍ لإيقافها.

والواضح أن الإصرار على دفع ذلك الثمن كان سيمثل خطوةً متقدمةً على طريق المعالجة الشاملة التي نتحدث عنها للدور الإيراني، أكثر من القيام بالضربة المحدودة التي انحصر القرار فيها بعد ذلك.

في جميع الأحوال، لايزال ممكناً للحراك الجديد بعد الضربة أن يكون خطوةً على طريق تحقيق الهدف الأكبر في محاصرة الدور والوجود الإيراني، في سوريا تحديداً، بشكلٍ في غاية الفعالية يحقق أهدافاً استراتيجيةً مهمة. لكن الدفع بهذا الاتجاه يبدو دور القوى العربية الفاعلة، وفي مقدمتها المملكة. خاصةً وأنها تستطيع تقديم رؤيةٍ سياسيةٍ شاملة من جهة، ودعمٍ لوجستي وميداني فعال، لا يمكن أن يقدمه طرفٌ آخر.