نفذ الأمريكيون ضربتهم في سوريا، لكن الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط يتضاءل يوماً بعد يوم.. حتى أن حليفهم، نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي أخذ يبحث عن مصادر حماية لكيانه بعيداً عن واشنطن، ويسعى إلى تفاهم مع موسكو لتوفير غطاء سياسي وأمني لإسرائيل، وهو ما يتضح من تكرار زياراته، مؤخراً، للرئيس الروسي، بوتين.. وقد ظهرت بوادر تقلُّص الاهتمام الأمريكي بالمنطقة عند صعود أوباما الرئيس السابق، إلى رئاسة أمريكا مع فريق من اليسار الأمريكي الذي كان همّه تنفيذ سياسات في الشرق الأوسط تُمثِّل رفضاً لسياسات سلفه الرئيس الجمهوري جورج بوش. واتخذت إدارة أوباما قرارات في المنطقة، وخاصة في العراق وسوريا، أدت إلى إحداث فراغ كانت أمريكا تتولاه أتاح لقوى أخرى ملئه، وتمكَّنت إيران وروسيا وجماعات متطرفة أبرزها داعش من الهيمنة على أجزاء من المناطق التي كان الأمريكيون يهيمنون عليها وعلى مناطق حواليها.

ولا شك أن مستقبل سوريا، اليوم، يُقرِّره الروس والإيرانيون، الذين تتواجد قواتهم بكثافة في البلاد، بينما تسعى تركيا إلى أن يكون لها دور في ذلك، وهو أمر ليس بالهيّن عليها، حيث مشاعرها موزعة بين مصالحها التجارية مع روسيا ومصالحها الدفاعية في حلف الناتو، وكل من هذين الطرفين له موقف مضاد للطرف الآخر. ومن الصعب فهم كيف يمكن لضربات صاروخية أمريكية على سوريا أن تُؤثِّر لوحدها على الوضع على الأرض، بينما الأمريكيون يفتقدون إستراتيجية واضحة بالنسبة لسوريا وباقي المنطقة

. وتتناقض مواقف الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، بين إعلان رغبته الانسحاب من سوريا ثم ضربها بالصواريخ، وتحدي القوات الروسية المتواجدة هناك.

ويواجه الرئيس الأمريكي الحالي حرباً شعواء من اليسار الأمريكي، وكذلك وسط اليمين من جمهوريين معتدلين، تستهدف منعه وإدارته من المضي قدماً في تنفيذ سياساته. وبالرغم عن الحرب الإعلامية الشرسة التي تشنّها أجهزة الإعلام القوية في البلاد، مثل النيويورك تايمز والسي إن إن، إلا أن الارتجالية التي تميزت بها سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تؤدِ إلى الإساءة له وسط قاعدة شعبية ساهمت بإيصاله إلى البيت الأبيض، ويظهر أن اليسار الأمريكي ممثلاً في المدعي العام الخاص لجأ إلى سابقة خطيرة بمداهمة مكاتب المحامي الخاص للرئيس الأمريكي والاستيلاء على وثائق قد تؤدي محتوياتها إلى تقديم دونالد ترمب للمحاكمة.

وفي كل الأحوال، وبصرف النظر عن نتائج الحرب الأهلية الداخلية بين اليمين واليسار بأمريكا، إلا أن السياسة الخارجية وخاصة تجاه منطقة الشرق الأوسط، هي الضحية الأولى في ترتيب أولويات المصالح الأمريكية عالمياً، حيث تتدحرج منطقتنا إلى ذيل قائمة الاهتمامات الأمريكية لأهل اليسار وأهل اليمين. ويقودنا هذا إلى التفكير في حلول تُقلِّص المخاطر القائمة والمستقبلية. لأن تخلي أمريكا عن اهتمامها يؤدي إلى خلق فراغ، تمكَّنت داعش وإيران من ملئه في العراق، وتمكنت داعش وروسيا وإيران من الاستفادة منه في سوريا.. ويؤدي ضعف الاهتمام الأمريكي إلى تشجيع قوى ولاعبين آخرين لمحاولة الاستفادة من الأوضاع التي تنشأ نتيجة لذلك.

المعضلة التي تُواجهنا في منطقتنا أن هناك قوى عدة بالإمكان التعاون معها لمواجهة أي مخاطر على المنطقة، إلا أن هذه القوى غير راغبة في التعاون، بل تسعى للهيمنة والتحكُّم بمصائر شعوب المنطقة.

وأبرز قوّتين تُشكِّلان خطراً على استقرار الشرق الأوسط إيران وإسرائيل، تتحكَّم في تصرفاتهما أطماع لا تتيح لأي منهما النظر بعقلانية للوضع في المنطقة، فإيران تتحكَّم فيها أجهزة حُكم مذهبية مشابهة للنازية الهتلرية، تعتقد أنها الوحيدة المؤهلة للسيطرة على العالم، وفي الجانب الآخر تصر إسرائيل، التى تسعى لمنافسة إيران في كونها دولة دينية مذهبية، لعدم التنازل عن أي من مكتسبات عدوانها على فلسطين، والإصرار على تطبيق المزيد من القوانين العنصرية.

لذا على الشرق الأوسط، ودوله العربية بشكلٍ خاص، التفكير خارج الإطار الحالي لسياساتها وذلك لتأسيس نظام أمني خاص بها، يؤدي إلى استقرارها، وإن كان نسبياً، على المدى البعيد. وقد يكون ذلك بتعاون انتقائي مع مصالح أخرى إقليمياً ودولياً. ومنها الصين وروسيا.