لا شك أن الصبر على الأذى والحلم والعفو عند المقدرة جميعها من الأخلاق العظيمة التي يصعب على الكثير من الناس القيام بها وتعد من أخلاق أنبياء الله ورسله، الذين هم صفوة خلقه فقد كانوا قممًا صلبة، لصبرهم على الأذى وما يلاقونه بسبب ذلك وهم الذين قال الله عنهم: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ). فالظلم والأذى موجودان منذ خلق الله الإنسان على وجه البسيطة، ولنا في قصة نبي الله موسى عليه السلام عبرة فقد كثر فيه القيل حتى إنه طلب من ربه عز وجل أن يكف ألسنة الناس من قومه عنه، فالإنسان قد يبتلى بالظلم والأذى حتى من أقرب الناس إليه، فالمصطفي صلى الله عليه وسلم أوذي في نفسه وأهله من بعض عشيرته الأقربين وما زاد على أن قال (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).

ومع جواز أن يدعو المظلوم على من ظلمه إذا تيقن من دون شك وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) أقول بالرغم من جواز ذلك إلا أن الصبر واحتساب الأجر من أفضل أنواع العبادات؛ لأن الأذى قد يكون فتنة أو حكمة أرادها الله. وبالنظر إلى أكثر الناس تعرضًا للظلم والأذى نجد أنهم هم الأنبياء والرسل وعباد الله الصالحون. ومن أجمل ما قيل عن العفو وما يترتب عليه من طُمأنينة النفس وراحة البال ما نُسِب إلى الإمام الشافعي رحمه الله:

لما عفوتُ ولم أحقِدْ على أحدٍ

أرحتُ نفسي مِن هَمِّ العداواتِ

إني أُحيِّي عدُوِّي عندَ رؤيتِه

لأدفعَ الشرَّ عني بالتحياتِ

وأُظهرُ البِشْرَ للإنسانِ أُبغِضُه

كأنما قد حشَى قلبي محباتِ

وقد مر بي الكثير من المواقف خلال مسيرتي الحياتية والعملية تعرضت فيها للأذى اللفظي والغيبة حتى من أناس لم أقابلهم أو أتعامل معهم طيلة حياتي وهذا أشد أنواع الظلم وهو العداوة بالسمع أو لأن بعض الناس قال عن شخص ما إنه سيىء فيحكم عليه بذلك، وعلى الرغم من أني في الكثير من هذه المواقف كان بإمكاني الانتصار لنفسي بحكم النظام والقانون إلا أنني فضَّلت الصبر وعدم رد السيئة بمثلها فكانت نتيجة ذلك بفضل من الله أن من كان لديه صورة غير جيدة رجع عن ذلك وجاء معتذراً طالباً العفو والصفح مني على ما بدر منه عن جهل وأصبح ولله الحمد من أخلص أصدقائي .

وصدق الله جلَّ وعلا (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).