المشهد كان وما يزال يتحدث عن نفسه! مهما علقت اللافتات، وتم تبادل الكؤوس والكلمات، ومهما تعددت الرقصات واللقطات.. لن تموت القضية.. العواصم لايمكن أن تصبح هدية.. الحق المسلوب، والسلام المزعوم في الشرق الأوسط لن يصبح مطية!.

هذه هي القراءة الصحيحة والعلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للمشهد.. فمن يسجل ويشهد؟!. يمكث في الأرض ما ينفع الناس من قيم الحق والعدل والحرية، ويذهب الزبد.. مهما رقص الراقصون ونعق الناعقون على أرض الوطن الحر الشهيد.. مهما بدا كل محتفٍ ثملاً وسعيداً.. ومهما روَّعوا أصحاب الأرض بالبطش والفتك العنيد.. ومهما أدخلوا الشعوب في متاهات التشرد والشرود! ومهما حيروا الأجيال بعمايات ودعايات وكذب وجحود..

هنا أم فلسطينية صامدة تنجب كل مرة مشروع شهيد، وهنا أب يهزأ من الفقر ومن ليل الرعود، وهنا جد يمسك بمفتاح القدس ويرتجي عظم الموعد من رب الخلود.

أيها المحتفون القابعون داخل الكهف أو البار الذي أسميتموه سفارة، العواصم المهداة ليست مجرد شارع أو مبنى في حارة.. ليست رقماً حسابياً، فوق مائدة قمار.. العواصم المهداة لن تكتسب أحقية، مهما مضت السنوات وطال الانتظار! والأوطان لا تتبخر مهما تناثرت في الخيام!

ضعوا عليها ألف ألف لافتة، يقيناً ستسقط واجفة.. ضعوا الأسهم المشيرة والعناوين.. لن تستطيعوا محو عاصمة فلسطين.. اضربوا بالغاز والرصاص الحي.. لن تستطيعوا محو اليقين.

الأوطان أيها المحتفلون قد تتناثر في حروف الأبجدية، أو في الحصص المدرسية.. والعواصم قد تتنقل بين خبايا القلوب وأبيات القصيدة، لكنها تظل باقية وساطعة مهما تخلى البعض عنها وظن المهادون بها أنها باتت وحيدة!

وبالجملة، فإن ذاكرة العواصم، خاصة إذا كانت عواصم تاريخية مثل القدس، تسجل وتكتب أولاً بأول.. من الذي فتح المزاد؟ ومن الذي خدع البلاد؟ ومن الذي طعن القبيلة؟ ومن الذي قبض العمولة؟!.

الأجيال كلها تعرف وستعرف أكثر، من أداروا ظهرهم للقضية.. من باتوا تجاراً وسماسرة، تارة لصالح طهران، وأخرى للعبث في لبنان وتأجير الجولان.. الأجيال تدرك وستدرك، من أحالوا تحرير القدس إلى مطية! الأجيال العربية والفلسطينية تحديداً ستتمسك أكثر بالوطن، ولن تقول ليتنا ولدنا في غير هذا الوطن.. بل إن أجدادهم رغم كل المحن، لن يرددوا أبداً: ليتنا لم نعش لهذا الزمن!.

أيها المدعوون المغادرون لمقر الاحتفال.. كنتم كالمهرجين.. تتبادلون نخب العمولة وسم الاحتلال.. عودوا خائبين.. ستشهد عليكم المفارش والملاعق والصحون.. ستشهد عليكم اللوحات والجدران والرسوم.. ستشهد عليكم البيوت التي تحولت إلى سجون.. ستشهد عليكم أرواح الشهداء الذين سقطوا أثناء احتفالكم في مدن وقرى فلسطين.

واهمون كلكم إن ظننتم أننا بتنا نثق في أنكم جئتم لمنحنا فرصة للنجاة بقارب أو بزورق! كلنا ندرك الآن أكثر من أي وقت مضى، أننا إن وثقنا بكم.. سنغرق!

أيها المحتفون بالسفارة في القدس الحزينة، تحسسوا أصابعكم التي لوثتها الجريمة.. تأملوا وجه كل طفل شهيد وكل طفلة يتيمة! يوماً قريباً ستشعرون أنكم شاركتم مزيفي التاريخ والأفكار، وأن ماء الدنيا لن يغسل عن وجوهكم هذا العار!.

عودوا إلى بلادكم واسألوها: هل يمكن تقديم العواصم في صفقات؟ هل يمكن بهذه السهولة والاستهانة إهداء الأوطان في حفلات؟ هل يمكن تقديم المدن التاريخية كمنح وهبات.. اسألوها وأرسلوا الإجابات على العنوان التالي: قلوب المؤمنين بعدالة القضية وبالقدس عاصمة فلسطين!.