إذا كان اليوم أول أيام رمضان، فأنتم صائمون، مرهقون، ربما متوترون، لأن اليوم حار وطويل، والليل قصير، فالصيف نصب خيمته واستقر في أجزاء كبيرة من الوطن العربي، وحسب المختصين فإن فصل الصيف يبدأ، 21 يونيو وينتهي 21 سبتمبر، لكن واقع منطقتنا أو دول الخليج يختلف مناخياً عن أي قراءات مختصة، فالواقع الذي نعيشه في الصيف خصوصاً في جدة، يبدأ مبكراً قبل نهاية الربيع، وينتهي على أعتاب فصل الشتاء تقريباً، أي أن الفصول المناخية ليست واضحة كما هي في العالم حولنا أو حتى في مناطق أخرى في المملكة كالجنوب والشمال مثلاً.

هذا العام يدخل علينا رمضان نهاية الربيع أي أنه يستقبل معنا فصل الصيف بعنفوانه، وطول أيامه، كل يوم يمتد النهار ويتقلص الليل، يصبح الفرق بين الإفطار والسحور في النهار طويلاً، وفي الليل قصيراً جداً ربما يساهم هذا في جهود تخفيض الوزن. المشكلة الأزلية لدى الشعوب الخليجية المشهورة بثقافتها الغذائية الخاطئة طوال العام، وتزداد سوءاً وخطأ في شهر رمضان المبارك.

لا أريد تقديم نصائح غذائية ولا إيمانية في هذا المقال، لأني أمارس نفس الأخطاء التي تعاني منها السفرة الرمضانية لدى معظم السعوديين، المشكلة هي الإصرار على تكرار الأخطاء عاماً بعد عام، رغم أن شهر رمضان موسم هطول النصائح بغزارة شديدة، كل منا يتقمص دور الناصح الأمين، والعالم الفهيم، ليواكب المناسبة الرمضانية التي أثقلناها بالأعباء البعيدة عن روحانية الشهر الفضيل، مع ذلك كل الأشياء العادية التي تمارسها خلال العام تصبح لها نكهة مختلفة في رمضان، نسمة عليلة في نهار رمضان لها إحساس مختلف، صوت المؤذن يتسلل الى أذنيك طوال العام، لكنه في رمضان يتسلل إلى قلبك يداعبه، يربت عليه بحنان، فيستجيب للخشوع ويبادر للإذعان.

رائحة الشوربة تتسلل إلى أنفك، منظر عجين السمبوسك تفرد وتقلى، تنتفخ طازجة شهية تلفح معدتك بالروحانية، رائحة المستكى تعبق في المنزل، حركة السيارات في الشوارع، اضطراب النساء في المنازل وقت المغربية، المحلات، المأكولات، الازدحام حول جرة الفول، والتهافت للحصول على حبات الكعك «السحيّرة»، كل شيء له نكهة مختلفة في رمضان، هي هذه الروحانية نتيجة جهاد النفس، فكل شيء يحرضك على التذوق، أو أخذ قضمة، أو رشفة ماء أو عصير مثلج تطفئ به عطش الصيف ومجاهدة يوم طويل حار، وتتذكر أيام الطفولة والصبا «من وراء الزير» تلك العبارة التي يداعبنا بها الكبار، ربما لم تكن مداعبة بل قمة الإنسانية والرحمة لأننا كنا في طور التدريب على الصوم، في سن صغيرة وصيف حار، فلا بأس من رشفة ماء نرطب بها جفاف حلوقنا!.

لكن روحانية رمضان، هل يستشعرها كل صائم، مثلاً الموظف الذي ينام ملء جفنيه حتى ينتصف النهار بينما مصالح ومعاملات تعطلت لغيابه، أو لسوء تصرفاته مع الآخرين بحجة الصيام، هل يستشعر الروحانية، الظالم والمستبد، الفاسد والمفسد، الخائن والخائف، المتعالي والمتعجرف؟

هل يستشعر الروحانية آكل حقوق الآخرين والذي استولى على ما ليس له بحق؟.

هل يعرف الروحانية الغشاش والحرامي الذي يستبيح لنفسه أكل أموال الناس بغير حق، والذين يقتطعون لهم نصيباً من ميزانيات المشاريع الحكومية، أو مخصصات الفقراء والأيتام والضعفاء والأرامل والمطلقات أو الزوجات؟.

كل أولئك هل يشعرون بروحانية الشهر الفضيل، أم أنه لا ينالهم غير الجوع والعطش؟!

يقول د. الأحمدي أبو النور أستاذ الحديث: «رمضان شهر التطبيق العملي لسلوك المسلم لما شرعت له هذه العبادة ولما أنزل الله له من قرآن».

وقعت فيما أردت البعد عنه وتقمصت دور الوعاظ لكنه رمضان وروحانية رمضان وكل عام وأنتم بخير.