قَبْل أَيَّام، وَقَع فِي يَدي كِتَاب بعنوَان: «الحِوَار - لُغَة الضُّعفَاء أَم الأَقويَاء؟»، لمُؤلِّفه الدّكتور «محمد علي جعلوك».. أَخَذْتُ الكِتَاب، وبَدَأْتُ أُقلِّب صَفحاته، وإذَا بِي أَسقُط فِي مَحبّته؛ مِن غَيرِ سَابِق إنذَار، لأنَّ المُؤلِّف أَجَاب عَن السُّؤَال؛ فِي حدُود 200 صَفحَة..!

وقَد أَعجَبني المُؤلِّف أَكثَر؛ لأنَّه لَم يُركِّز عَلَى الحوَار كهَدفٍ وغَايَة، فالحوَار فِي النِّهَايَة، مُجرَّد نَتيجَة ولَيس سَبَباً، بَل رَكَّز عَلَى مُسبّبَات ودَوَاعي الحوَار، مِثل التَّعصُّب، والنِّزَاعَات والخِلَافَات.. إنَّه يَطرح نَظريَّات النِّزَاع بَين الطَّوَائِف المُختَلِفَة، ويُصنِّفها إلَى أَربَع مَجمُوعَات، حَيثُ يَقول: (نَظرية الصِّرَاع بَين الرِّيف والمَدينَة، ونَظرية الحِرمَان النِّسبي، ونَظرية التَّهديد الاجتمَاعي؛ فِي مُقَابل الاهتمَام الفَردِي.. مِن خِلال هَذه النَّظريَّات، أَمكَن استخلَاص مَا يُفيد؛ بأَنَّ نَشأة وتَفَاقُم التَّعصُّب يُمكن أَنْ يَنجُم، كُلَّمَا كَان هُنَالك تَبَاين بَين الجَمَاعَات، وكُلَّما كَان التَّغيير الاجتمَاعي سَريعاً، ونَتيجة الجَهل، ونَتيجة انعدَام فُرَص الاتِّصَال بَين الجَمَاعَات، وكُلَّما كَان حَجْم الجَمَاعة الذي يُمثِّل الأَقليَّة كَبيراً. والخَوف مِن نَتَائِج المُنَافَسَة، ومُمَارسة الاستغلَال؛ مِن قِبَل جَمَاعة ضَد جَمَاعة أُخرَى، واضطهَاد الأَكثَريَّة للأقليَّة، وانتقَال الفَرد مِن طَبقَةٍ اجتمَاعيَّة إلَى أُخرَى)..!

حَسناً.. لَو فَكَّرتَ بالنِّزَاعَات بَين النَّاس، ستَجد أَنَّها تَنتَمي إلَى هَذه النَّظريَّات، فمَثلاً، نَجد جَدَلاً طَويلاً بَين النَّاس؛ حَول أَيُّهمَا أَفضَل للسَّكَن: «المَدينَة، أَم القَريَة؟».. ونَجد سِجَالاً طَويلاً؛ بَين مُحَاولة استقلَال الإنسَان وتَصرُّفاته الفَرديَّة، وبَين مُطَالبته بالرّضُوخ لفِكر الجَمَاعَة.. كَمَا نَجد سِجالاً طَويلاً؛ حِين تُحَاول الأَكثريَّة السَّيطَرَة عَلَى الأَقليَّة.. والأَكثَر مِن هَذا كُلّه، أَنَّ مُعظم الجِدَال؛ يَتمُّ حِين يَنتَقل الفَرد مِن طَبقةٍ اجتمَاعيَّة مُعيَّنَة، إلَى طَبقَةٍ اجتمَاعيَّة أُخرَى..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: أَيُّها النَّاس، مِن الجيَّد أَنْ نَدعُو إلَى مَعرفة «مُسبّبات النِّزَاع بَين النَّاس» قَبل الحِوَار، لأنَّنا إذَا عَرفنَا أَسبَاب النِّزَاعَات، ودَوَاعِي الخِلَافَات، سنَتمكَّن مِن حلِّها، وإذَا قُمنَا بحَلِّها، فلَن نَحتَاج إلَى الحِوَار..!!