تمثل اللغة العربية -التي انطلقت من هذه البلاد- أحد عوامل العمق الثقافي الذي يمكن النظر إليه والإفادة منه في تخطيطنا الاقتصادي (وقد أشرت في مقال سابق إلى التوظيف الإستراتيجي لتعليم الإنجليزية في بريطانيا). ويمكن أن أشير إلى مثال مفيد هنا: فبين العامين 2011 و2012 أقامت الرابطة الثقافية للطلاب المبتعثين في المملكة المتحدة برامج مكثفة لتعليم العربية لغير الناطقين بها، وقد تنوعت العرقيات والخلفيات الثقافية للمستفيدين من البرنامج، لكن أغلبية الطلبة (الذين بلغوا المئات) كانوا من المسلمين؛ المقيمين منهم في المملكة المتحدة بصفة دائمة، أو الزائرين لأغراض العمل أو الدراسة. معظم هؤلاء المسلمين كانوا من أصول آسيوية، من باكستان والهند وبنغلاديش وإندونيسيا وغيرها، كما كان بعضهم من دول أخرى مثل: تركيا وألبانيا.

وقد كانت رغبة الطلاب البريطانيين بالانضمام للبرنامج واضحة كذلك، إذ كان عدد من الطلاب المسلمين الذين أشرت إليهم، ينتمون لعوائل مهاجرة ذات أصول آسيوية، ويحملون الجنسية البريطانية. هذا لا يعني عدم إقبال البريطانيين البِيض على البرنامج، فقد شهدت جميع الفصول حضور عدد منهم، بالإضافة إلى طلاب أوروبيين من هولندا وفرنسا وتركيا وغيرها.

وقد تباينت دوافع الطلاب خلف الانضمام للبرنامج، لكن أغلبية المسلمين في فصول البرنامج تشير ضمناً إلى سيطرة الدافع الديني خلف انضمامهم، فقد رأى فيها الطلبة فرصة لتحسين معرفتهم بلغة القرآن والسنة، وكثيراً ما كانت أسئلتهم تدور حول هذا الهدف لتفتح أفق الحديث بعد ذلك نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة والشعائر الدينية من حج وعمرة وصيام وصلاة

. ومع ذلك فقد كان للطلاب دوافع أخرى متنوعة يصب بعضها حول تزايد الاهتمام بالعالم العربي في ظل الأحداث والتوترات التي شهدتها المنطقة، لذلك وجد بعضهم في البرنامج فرصة لزيادة معرفتهم باللغة العربية.

وضمت قائمة المستفيدين بعض طلبة الجامعة من قسم الدراسات الشرق أوسطية في كلية اللغات والثقافات الحديثة بالجامعات البريطانية، وكان برنامج الرابطة يساعدهم لتطبيق وتثبيت ما يتعلمونه. إحدى الطالبات الإنجليزيات تدعى «ليزا» أظهرتْ حرصاً وتميزاً واضحين خلال حضورها، وقد صرّحت أنها تخطط لأن تعمل في مجال الإعلام في العالم العربي، وفي دبي تحديداً.

الهدف المهني الذي كان دافعاً لليزا حضر أيضاً لسيدة إنجليزية أخرى، تدعى كارول؛ كانت كارول تعمل كمشرفة إدارية في أحد أشهر معاهد اللغة الإنجليزية الخاصة في مدينة (ليدز)، وقد كان الطلاب العرب أهم عملاء هذا المعهد، من هنا حاولتْ كارول تعلم العربية والتعرّف على ثقافات الدول العربية من خلال البرنامج، لعل ذلك يساعدها في تحسين مستوى خدمة الطلاب العرب في المعهد. طالبة أخرى كانت تعمل في مطعم في حي تقطنه جالية عربية بكثرة، ورغبت في تحسين عربيتها لتسهيل عملية التواصل مع زبائنها العرب.