يُعتَبر المَشي مَظهَراً مِن مَظَاهر العِبَادَة، وقَد وَرَدَ ذِكره فِي القُرآن كَثيراً، ولَم يَفرد أَحد الفُقهَاء القُدَامى فَصْلاً، أَو يَكتُب بَحثاً عَن «المَشي فِي القُرآن الكَريم»، حَتَّى جَاء بَاحث يَعيش بَيننَا الآَن، وهو الأُستَاذ سمير علي محمد غياث، حَيثُ كَتَبَ بَحثاً بعنوَان: (المَشي فِي القُرآن الكَريم: أَنوَاعه وأَغرَاضه وبَعض دَلَالَاته)، وهَذا البَحث رُشِّح للفَوز بالمُسَابَقَة الثَّانية؛ التي يُنظّمها مُنتَدَى «الألوكة». ونَظراً لأَهميَّة هَذا البَحث، فإنَّني سأُلخِّص أَبَرَز مَا وَرَدَ فِيهِ؛ فِي هَذه اليَوميَّات:

(الأحد): تَعريف المَشي فِي اللُّغَةِ العَربيَّة: قَال الإمام الرَّاغب الأصفهَاني: (المَشي: الانتِقَال مِن مَكانٍ إلَى مَكَان بإرَادَة)، وقَال ابن فارس فِي «مَقَاييس اللُّغَة»: (المِيم والشِّين والحَرف المُعتَل، أَصلَانِ صَحيحَان، أَحدهمَا يَدلُّ عَلَى حَركة الإنسَان وغَيره، والآخَر النَّماء والزِّيَادَة). والأوّل مَشَى يَمشِي مَشْياً. وشَرِبْتُ مَشُوَّاً ومَشِيَّاً، وهو الدَّواء الذي يُمْشِي -أي يطلق البَطن-، والآخَر المَشَاء، وهو النِّتاج الكَثير، وبِهِ سُمِّيت المَاشية. وامرَأةٌ مَاشيَة: كَثُر وَلدُها. وأمْشَى الرَّجُل: كثُرت ماشيتُه..!

(الاثنين): جَاء فِي كِتَاب المصبَاح المُنير للإمام المقرئ: «مَشَى: (يَمْشِي) (مَشْيًا) إذَا كَان عَلَى رِجلَيِهِ -سَريعاً كَان أَو بَطيئاً- فهو (مَاشٍ)، والجَمْع (مُشَاةٌ) ويَتعدَّى بالهَمزَة والتَّضعيف، و(مَشَى) بالنَّميمَة: فهو (مَشَّاءُ)، و(المَاشِيَةُ): المَال مِن الإِبل والغَنم، قَاله ابن السكيت وجماعَة، وبَعضهم يَجعَل البَقَر مِن (المَاشِيَةِ)». هَذه هي حَقيقة هَذه الكَلِمَة فِي اللُّغَة العَربيَّة، التي نَزلَ بِهَا هَذا القُرآن العَظيم، نَستفيد مِن مَعرفة ذَلك، أَنَّه كُلَّما مَررنَا فِي القُرآن الكَريم، عَلى هَذه الكَلِمَة (المَشي)؛ فهَذا هو مَعنَاهَا؛ إمرَاراً لَهَا عَلَى ظَاهِرهَا، مَا لَم تَصرفها عَن ذَلك الظَّاهِر، قَرينَة بَيِّنَة..!

(الثلاثاء): (إنَّ المَشيَ نِعمةٌ مِن نِعَم المَولَى سُبحَانَه وتَعَالَى، يَنعم بِهَا عَلَى مَن يَشَاء مِن عِبَاده، وقَد قَسَّم سُبحَانه هَذه النِّعمَة بَين مَخلُوقَاته، كَمَا قَسَّم بَينهم مَعيشتهم، وجَميع نِعمه عَليهم، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالثَّعَابين، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾، كبَني آَدَم، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالأَنْعَام وغَيرهَا)..!

(الأربعاء): المَشي لَيس نِعمَة فَقَط مِن الله، بَل هو -كَذَلك- آيَة مِن آيَاته -جَلَّ وعَزّ-، الدَّالَة عَلى حِكمَتِهِ وعَظيم قُدرتِهِ، و(يَدلُّ عَلى ذَلك مَا أَخرَجه البخاري فِي صَحيحه، فِي بَاب قَوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وَجُوهِهِمْ إلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾، عَن أَنَس بن مَالك -رَضي الله عَنه- أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا نَبي الله، يُحشَر الكَافِر عَلَى وَجهه يَوم القِيَامَة! قَال: (أَليسَ الذي أَمشَاه عَلَى الرِّجلَين فِي الدُّنيَا، قَادِراً عَلَى أَن يُمشيهِ عَلَى وَجهه يَوم القيَامَة)؟! قَال قُتَادَة: بَلَى، وعِزّة ربّنا)..!

(الخميس): نَعم، المَشي آيَةٌ مِن آيَات قُدرتهِ تَعَالَى وحِكمته، لذَلك اعتَنَى الله -سُبحَانه- بذِكر هَذه النِّعمَة والآيَة فِي كِتَابهِ الكَريم، الذي هو المُعجِزَة الخَالِدَة، فعِند تَتبُّع هَذه الكَلِمَة فِي القُرآن، نَجد أَنَّها قَد ذُكِرَت فِي أَكثَر مِن 20 مَوضعاً، وبتَصَاريف مُختَلِفَة، مِثل: «مَشَى، امْشُوا، مَشياً»..!

(الجمعة): مِن مَزَايَا المَشي أَنَّ (كُلّ مَن رَزقه الله تَعَالَى هَذه النِّعمَة، فهو يَمشِي.. فالحَيوَانُ يَمشي، والصَّغيرُ يَمشِي، والكَبيرُ يَمشي، والرَّئيسُ يَمشي، وقَائِد الجَيش والجنُود والعُلَمَاء؛ كُلٌّ يَمشِي.. لَكن السُّؤَال: إلَى أَين؟.. يَقول الحَق سُبحَانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، فنِعمة المَشي وَاحِدَة، لَكن مَقَاصِد وأَهدَاف المُشَاة شَتَّى)، فمِنهَا المَشي للطَّوَاف والسَّعي بالصَّفَا والمَروَة، ومِنهَا المَشي للرِّيَاضَة، ومِنهَا المَشي للتَّأمُّل، وغَير ذَلك مِن مَقَاصد المَشي، التي لَا حَصْر لَهَا..!

(السبت): قَال القتبي صَاحب كِتَاب «بَحر العلُوم»: (السَّعي عَلَى وَجه الإسرَاع فِي المَشي، كقَولهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى﴾، والسَّعي: العَمَل، كقَولهِ تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾، وقَولِهِ: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، والسَّعي: المَشي كقَولهِ تَعَالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾، وكقَولهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وقَال الحسن فِي هَذا القَول الأَخير: لَيس السَّعي بالأَقدَام، ولَكن سَعي بالنيَّة، وسَعي بالقَلْب، وسَعي بالرَّغبَة)..!!