سبق أن كتبتُ مرارا عن حلول رمضان وأحوال الأمة العربية لا تسرّ، بعد أن تعوَّدنا خلال أعوامٍ خلت، أن نزف البشرى للأمتين العربية والإسلامية، بحلول شهر الخير والبركة، وأن ندعو لهاتين الأمتين، وهي أمة واحدة، بالنصر والتمكين، ولكن هذا العام، تقترب الأمة العربية والإسلامية من أواخر هذا الشهر الكريم وقد علتها حسرة كبيرة، وشابها ألمٌ يعتصر القلوب على ما آلت إليه أحوال الأمة العربية خصوصاً من الضعف والهوان وتفرّق الكلمة وانشقاق الصفوف وشماتة الأعداء، وكل ذلك دون أن تكون هناك بارقة أمل تلوح في الأفق ولو بعد حين، مع أننا مسلمون، ولا نيأس من روح الله، ولكن النتائج تُقرأ من مقدماتها، والحصاد لا يكون إلا لما زُرع، وإن نظرنا شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، في عالمنا العربي، لا نجد إلا فتنا تُزرع، فتناً كقطع الليل المظلم، وما عاد أحد يتحدث عما سمي بالربيع العربي، بل لا يستحق ذلكم أن نسميه الخريف العربي، لأن الخريف تعقبه فصول إزهار وإثمار، أما خريف العرب فلا زهر فيه ولا تمر، وأصبح كخريف العمر الذي لا يعود بالشباب يوماً، ولا يكون إلا بداية النهاية.

قبل عدة رمضانات، ونِصف العرب تقريباً مشرَّدون ومضطهدون وجائعون ويائسون، كثير منهم باتوا كالأيتام على موائد اللئام، وأمسوا ضيفاً ثقيلاً على دول هي أصلا تئن من ساكنيها، وتكاد لا تُوفّر الاحتياجات الرئيسة لأهليها، فمن كان يتصور أن يلجأ أهل اليمن السعيد إلى دولة شبه معدمة كجيبوتي؟، وربما لجأ بعضهم إلى الصومال، وما ذلك إلا لأن فئات أصيبت بعمى البصر والبصيرة من أهل اليمن انساقت وراء سراب ووهم بأن مرجعياتها الفارسية ستُمكِّن لها في الأرض إن هي دمَّرت اليمن، وأبعدت سلطته الشرعية، وهددت جيرانها وفي مقدمتهم السعودية، التي لا يوجد شارع ولا مبنى في اليمن إلا لها يد بيضاء فيه، وتقاطعت مصالح هذه الفئة الفارسية التي تدّعي العروبة والإسلام مع مصالح ساداتها في طهران من الملالي والمعممين، فكان أن حل رمضان لسنوات بأرض اليمن، وهي في كفاف وحرمان.

وليست الحال أفضل في الشام من اليمن، فأين اليوم شامنا؟ وأين يمننا؟ أين بلاد الماء والخضرة والوجه الحسن في رمضان هذا العام، وفي أعوام خلت؟، ماذا تبقَّى من دورهم، وماذا ألمّ بأهليهم؟ والطاغية العلوي يدكّهم كل يوم ببراميل الموت، التي أصبحت ملء ديارهم، بعد أن كانت هذه الديار تمتلئ ببراميل زيت الزيتون الصافي، والعسل الشافي. يكاد ينقضي رمضان للمرَّة السابعة على السوريين وأكثر من نصفهم مُهجَّرون في دولٍ تكره وجودهم فيها، فبعد أن كانوا يفتحون صدروهم وقلوبهم وبيوتهم لكل لاجئ ومهجر، ضاق بهم لبنان والأردن والعراق وتركيا، وما أصعب أن يُذل عزيز قوم، وما أرذل أن يشعر المرء بأنه ضيف ثقيل، وليست الحال بأفضل في أقطار عربية أخرى، فأرض فلسطين شهدت مجازر غير مسبوقة، حين قتلت قوى الاحتلال وجرحت الآلاف. وليبيا أصبحت مئة ليبيا، في انقسامات تلو انقسامات، وحتى تونس، تعاني ما تعاني من ارتفاع الأسعار والبطالة، وليست الاضطرابات التي شهدتها الأردن ببعيدة، بسبب مشروع قانون يقضي بزيادة ضريبة الدخل وارتفاع الأسعار على المواطن. وبمبادرة ودعوة من خادم الحرمين عُقدت مؤخراً قمة مباركة بمكة المكرمة ضمَّت المملكة والأردن والكويت والإمارات. ونتج عنها قرارات بدعم الأردن بـ(2.5) مليار دولار، تشمل هبات وودائع ومساعدة سنوية. وذلك تكريساً لحرص المملكة على دعم الأشقاء العرب والمسلمين دون أي تردُّد.

ذلك رمضان العرب، الذي لا يعيش فيه في أمنٍ وأمان، إلا هذه البلاد المسلمة وما جاورها، لأنها آخر حصون الإسلام الحصينة وقلعته القوية المتينة، بقادتها المخلصين الأتقياء، وشعبها الملتف حولهم بكل إخلاصٍ وتفان، كفانا الله شر الفتن، وبلّغنا وإياكم العيد السعيد بطمأنينة وراحة بال.