كل شيء في بدايته يطوح بك بين مسارات الفرح والدهشة، أو كما يقولون: (الغربال الجديد له شدة)، ربما لذلك رافق حصول أول سعودية على رخصة القيادة من أقسام المرور في كل منطقة بعض المبالغة، كأول امرأة تعطى الرخصة، وهو سلوك يعيدنا إلى الحرص على تكرار نغمة «أول من...»، كما جاء في تغريدة لطيفة للدكتورة الحبيبة فاتنة شاكر: (مجتمعنا مهووس بـ»أول من..»)، مع الزمن يصبح الحدث فاصلة في كتاب التاريخ بعد أن تفقد بريقها أو يحل محلها علامة تعجب! ويتحول الهوس مع الزمن إلى اختلاف وخصام على: من كان/ كانت «أول من...»!» وفاتنة شاكر مع أنها تمتلك حقوق «أول من..» في مجالات كثيرة، إلا أنها ترفض استخدام هذه الحقوق بإصرار، لذلك لم نكن نرغب في حركتنا الناضجة هذه إلى الأمام أن نعود أميالاً إلى الخلف، ونبدأ من خلال «أول من..»، ربما لم تكن مقصودة كاستحقاق تاريخي لـ»أول من..»، ومع ذلك من المهم الإشادة بأجهزة المرور، وزارة الداخلية التي أتقنت انطلاقة حصول النساء على رخصة قيادة السيارة، فبادرت باستبدال من لديهن رخص قيادة سارية المفعول، برخصة سعودية، وهنا يكمن سر البهجة التي رافقت حصول كل سعودية على رخصة وطنية، لأن هذه الرخصة هي التي تُمكِّنها من المقود في أرجاء وطنها، وتمنحها حقاً من حقوقها، وتُحقِّق حلماً طالما راودها، لذلك احتفلت المرأة السعودية هذا الأسبوع بحصولها على رخصة قيادة السيارة من أقسام الرخص بأجهزة المرور في مدن المملكة الرئيسية، ولأن حصول المرأة السعودية على رخصة قيادة السيارة ليس غريباً ولا جديداً، فمعظم السعوديات لديهن رخص من دول أخرى منذ عقود، ويمارسن هذه المهارة في كل بلاد الدنيا، ولديهن التزام شديد بالقوانين والأنظمة، لذلك سجلات معظمهن المرورية بدون مخالفات أو حوادث ومشكلات، وهذا يدعم الأمر السامي الكريم بمنح النساء حق قيادة السيارة في 10/10/1439هـ، وجاءت عبارة «على حد سواء»، تأكيداً على إزالة العوائق التي كانت توضع أمام المرأة ، كي لا تتمتع بحقوقها الإنسانية والوطنية.

كل شيء يأتي من الوطن له نكهة مختلفة، ولأن المرأة أصبحت شريكاً في الشارع والعمل والمنزل بعد أن كانت لا تعرف التعامل مع أغلب أجهزة الدولة المختلفة، تعاملت مباشرة مع جهاز المرور، ودخلت قسم الرخص.

لم نفوت فرصة استبدال ابنتي لرخصتها برخصة سعودية، رغم أن الأمر لم يكن لافتاً أو مهماً عندما حصلت على أول رخصة قيادة، ولا حتى حصولها على رخصة دولية استخدمتها في دبي وأمريكا والقاهرة، منذ 2013م، ومازالت سارية المفعول. السبت الماضي، دفعنا الحماس والفرح إلى مرافقتها لقسم مرور شرق جدة، وربما الفضول انسكب داخلي لمعرفة كيفية تعامل جهاز المرور مع النساء لأول مرة، أو الخوف من أسلوب التعامل مع ابنتي وفوضى المواعيد، وعدم ملاءمة المكان إنسانياً، كما كان يحدث في الكثير من الأماكن المخصصة للنساء، حتى في بعض المساجد، فأقسام النساء صغيرة ومهملة، لكن الحقيقة أن ما وجدناه سواء بالنسبة لانضباط المواعيد وسهولة الإجراءات واللطف والرقي في التعامل وحسن الاستقبال كان يفوق حتى الأمنيات، والمكان صُمِّم بطريقة تليق ليس فقط باستقبال النساء بل تليق بوطن يسرع الخطى بحزمٍ وعزم، ليتجاوز المسافات الشاسعة التي كانت تفصل بينه وبين العالم الأول، ليقف بجواره أو ربما تجاوزه وهو يمضي ثابت الخطى واعيا لموضع أقدامه.

كل التحية لمنسوبي قسم الرخص بمرور شرق جدة العقيد عادل الحازمي، رقيب أول أحمد مرضى الزهراني، رئيس رقباء/ ظافر الشهراني، ناصر الشهراني. مبارك لنساء وطني، وعيدكم مبارك.