الأبناء هبة من الله، يهبها مَن يشاء من عباده، وهم زينة الحياة الدنيا، وقد عبَّر الشعراء عن هذه الزينة بقصائد حملت مشاعرهم تجاه أبنائهم، ومن أجمل القصائد التي تميَّزت بالطبيعة العاطفية والحس الوجداني المرهف، قصيدة للشاعر والدبلوماسي السوري الراحل عمر بهاء الدين الأميري من ديوانه (أب)، رسم فيها طفولة أبنائه والحنين إليهم حينما سافروا وتزوَّجوا وتركوه وحيدا، في صورة غير مصطنعة نالت بسببها الكثير من السمعة والانتشار، لدرجة أن الأديب المصري الراحل عباس محمود العقاد قال عن هذه القصيدة في إحدى المناسبات: (لو كان للأدب العالمي ديوان من جزءٍ واحد لكانت هذه القصيدة في طليعته).

يقول الشاعر في بعض أبياتها:

أين الضجيجُ العذبُ والشغبُ

أين التدارسُ شابه اللعبُ؟

أين الطفولةُ في توقدها

أين الدمى في الأرض والكتب؟

أين التشاكسُ دونما غرضٍ

أين التشاكي ماله سببُ؟

أين التباكي والتضاحكُ في

وقت معا والحزنُ والطربُ؟

أين التسابقُ في مجاورتي

شغفا إذا أكلوا وإن شربوا؟

يتزاحمون على مجالستي

والقربِ مني حيثما انقلبوا

يتوجهون بسوْقِ فطرتهم

نحوي إذا رهبوا وإن رغبوا

بالأمسِ كانوا مِلءَ منزلنا

واليوم ويح اليوم قد ذهبوا

وكأنما الصمت الذي هبطت

أثقالُه في الدار إذ غربوا

إني أراهم أينما التفتتْ

نفسي وقد سكنوا وقد وثبوا

وأحسُّ في خلَدي تلاعبَهم

في الدار ليس ينالهم نصبُ

في كلِّ ركنٍ منهم أثرً

وبكل زاوية لهم صخب

في النافذات زجاجها حطموا

في الحائط المدهون قد ثقبوا

في الباب قد كسروا مزالجَه

وعليه قد رسموا وقد كتبوا

في الصحن فيه بعضُ ما أكلوا

في علبة الحلوى التي نهبوا

في الشطر من تفاحةٍ قضموا

في فضلةِ الماءِ التي سكبوا

إني أراهم حيثما اتجهتْ

عيني كأسرابِ القطا سرَبوا

دمعي الذي كتمته جَلدا

لما تباكوا عندما ركبوا

حتى إذا ساروا وقد نزعوا

من أضلعي قلبا بهم يجب

ألفيتني كالطفل عاطفةً

فإذا به كالغيثِ ينسكبُ

قد يعجب العذالُ من رَجلٍ

يبكي ولو لم أبكِ فالعجب

هيهات ما كل البكا خَوَرٌ

إني وبي عزمُ الرجالِ أب

هكذا امتزجت أشواق الشاعر بالحنين إلى أبنائه، عبر ترانيم ندية هادئة، صور فيها ذكرياته الخاصة، وحزنه حين ودع أبنائه في حميمية الأبوة الموجعة.