عِندما نَشرتُ -يَوم الأحد المَاضي- مَقالًا بعِنوان: «عَورة اسم المَرأة»، تَكاثَرَتْ الرَّسائل عليَّ، كَما يَتكاثر البَعوض هَذه الأيَّام في جُدَّة بَعد المَطر، وكُلّ الرَّسائل تُطالب بالتَّوغُّل في هَذا المَوضوع، ومُحاولة كَشف مَا التبس مِنه، وإيضَاح مَا غمض مِنه..! لذلك.. سأتنحَّى عَن زَاوية اليَوم، وأتنازل عَن المَقالة، إلى مَقالة أُخرى، نزولًا عِند إرَادة الشّعوب العَربيّة -أمزح طَبعًا- كي لا يُصدِّق أحد المُتربِّصين ويَقول: إنَّ هَذا الكَاتب مُتورِّم، كَما هي التُّهمة المُعتادة..! حَسنًا.. حَاولتُ أن أتدبَّر بدعة الإحجَام عَن ذِكر اسم المَرأة، والتَّحايل عَليه، عَبر مُسمّيات أُخرى، مِثل: المَدام، الأهل، الدَّاخليّة، المعزّبة -بلغة المصريين لا السّعوديين-، فوَجدتُ أنَّ أبسَط تَفسير لهَذه الظَّاهرة؛ هو الإمعَان في التَّجاهُل، وغَمط الحقوق، وأكل أموَال المَرأة الرَّمزيّة بالتَّجاهُل، والاعتداء على اسمها بالإثم والعُدوان، وكأنَّها لا شَيء، مَع أنَّ سيّدنا عمر بن الخطاب قَال بأنَّ مِن حَق الوَلد عَلى أبيه –والوَلد هُنا يَشمل الذَّكر والأُنثى- أن يُحسن اسمه، ومَا ذَاك إلَّا لأنَّ المَرء يُطرب لذِكر اسمه، ويَتراقص لحروفه..! إذًا التَّحفُّظ عَلى ذِكر اسم المَرأة يُعبِّر عَن التَّجاهُل، أو عدم الاكترَاث بِها، والدَّليل عَلى ذَلك أنَّنا نُعامل العُمَّال بمِثل هَذا التَّجاهُل، فنُنادي عَلى أي عَامل: يا محمد –وإنْ كَان غَير مُسلم-، أو يا صَديق، أو يا رَفيق، مَع أنَّ الشّكاوى في مَكاتب العَمل لا تَدلُّ عَلى طيب الصَّداقة، وأبعد مَا تَكون عَن حُسن الرّفقة..! لا نَحتاج هُنا إلى الكَثير مِن التَّحليل والتَّفكير، لنكتشف أنَّ التَّقليل مِن شَأن المَرأة أو «تشييئها» –أي تَحويلها إلى مُجرَّد شيء ثَانوي-، يُمارَس بشكلٍ مُنظَّم في مُجتمعنا الذّكوري، فنَحنُ رَغم ادّعائنا العَريض بالاعتمَاد عَلى النَّص الدِّيني في كُلِّ شؤون حياتنا، إلَّا أنَّنا نَكتشف يَومًا بَعد يَوم أنَّ العَادات الجَاهليّة أكثر صمودًا مِن قِيَمنا الدِّينيّة، وأكبر دَليل عَلى ذَلك هَذا «الوأد» الذي نُمارسه اليَوم بعدّةِ أشكَال..! إذا اتفقنا أنَّ مِن حَق المَرأة أن تَسمع اسمها مِن الذّكور والإنَاث، فلابد أن نَعترف بجَريمة أُخرى تُمارس بحَقِّها، وهي أنَّ وَالدها مَهما اجتهد في البَحث لَها عَن اسم جَميل عِند ولادتها، فإنَّ إقدَامه مَع سَبق الإصرَار والتَّرصُّد عَلى شَطب اسمها الجَميل مِن رقاع الدَّعوة الخَاصَّة بحَفل زفَافها، واستبداله بوَصف «كَريمة أو ابنة فُلان»، الذي يَدلُّ عَلى أنَّها مُجرَّد شيء تَابع لشَخصٍ آخر، هو إمعَان في قَمعها وتَجاهلها..! حَسنًا.. مَاذا بَقي..؟! بَقي القَول: إنَّ المَرأة كيانٌ قَائم بذَاته، ومُعتدّ باستقلاليّته، ومِن حَقّها أن تَذود عَن حماها بالوَسائل التي تَراها مُلائمة، وإن فَشلت في انتزاع حَقّها بنَفسها، لا يَبقى أمَامها إلَّا المُطالبة بشَطب اسمها نَهائيًّا مِن السّجلَّات، واستبداله بالرَّقم المُحبَّب لَها..!. Arfaj555@yahoo.com