هجمات الأربعاء الدموية في عراق الرافدين التي أسفرت عن مقتل 41 شخصا على الأقل وجرح مائتي شخص آخرين أكثر من نصفهم من أفراد الشرطة وتزامن ذلك مع انسحاب القوات الأمريكية مع الاحتفاظ بحوالى 50 ألف جندي أمريكي سيتم سحبهم نهاية السنة المقبلة، هذا التزامن يعطي مؤشرًا واضحًا على أن تكثيف الجماعات الإرهابية لهجماتها التي تستهدف بشكل خاص مراكز التجنيد والشرطة والمقار الحكومية يعتبر نتيجة طبيعية لعدة عوامل ساهمت في عودة أجواء العنف إلى العراق من أهمها الفراغ السياسي الذي ترتب على تأخير تشكيل الحكومة العراقية بعد انتخابات شهر مارس الماضي، والفراغ العسكري الذي ترتب على انسحاب القوات الأمريكية وترك المهمة الأمنية للجيش العراقي الذي يبدو من الواضح في ضوء الهجمات الإرهابية المتلاحقة تعثره في أداء تلك المهمة، وهو ما أكده رئيس أركان الجيش العراقي، الفريق أول بابكر زيباري قبل بضعة أيام بالقول إن قواته غير قادرة على ضمان أمن العراق قبل 2020.
كما أدى تسريح قوات الصحوة إلى فقد الحكومة لحليف قوي في مواجهة القاعدة التي تحاول الآن استقطاب تلك القوات إلى جانبها. ورغم ما ينطوي عليه الانسحاب الأمريكي من العراق من معطيات إيجابية ورغم المصاعب والمشاكل التي خلفها للعراق، إلا أن هناك بعض الايجابيات مثل التعددية الحزبية وتحسن الوضع المعيشي للموظفين، لكن لا يمكن مقارنة تلك الإنجازات بالإخفاقات والخسائر التي مني بها العراق وجعلت منه بلدًا مفككًا يعيش في أجواء الفوضى والفتن والضياع.
بعد الانسحاب الأمريكي الأكبر الذي يتم قبل موعده المحدد مع نهاية هذا الشهر وبعد التصعيد في الهجمات الإرهابية على نحو ما نراه الآن لا تزال تطرح التساؤلات وتثار الشكوك حيال قدرة قوات الأمن العراقية على تولي المهام الأمنية، حيث فشل السياسيون في تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على الانتخابات العامة، مما يزيد من مخاوف انتهاز العناصر المسلحة لهذه الأجواء الضبابية لمحاولة إذكاء جذوة العنف الذي طحن العراق لسنوات بعد الغزو الأمريكي عام 2003 وهو ما يعني استمرار رحلة التيه العراقي إلى أجل غير مسمى طالما ظل قادة العراق في غفلة عن مخاطر هذا التأجيل.
إضافة تعليق