كثيرون تفاءلوا بالانتخابات العراقية التي جرت بنزاهة وشفافية بشهادة المراقبين الدوليين في مارس الماضي، وكثيرون تفاءلوا بأن تلك الانتخابات قدمت الدليل على تحول العراق إلى الديمقراطية التي تعني ضمن ما تعنيه انتقال السلطة بسلاسة إلى من يستحقها طبقًا لنتائج تلك الانتخابات، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن رغم مرور خمسة أشهر على إجراء تلك الانتخابات بما يعني في النهاية أن العراق الشقيق لا يزال يعيش محنة الضياع والفوضى والانقسام رغم رحيل الجزء الأكبر من القوات الأمريكية، وهو ما أمكن لمسه مؤخرًا من خلال موجة الهجمات الدموية التي شارك فيها انتحاريون بوقت متزامن واستهدفت مراكز الشرطة ونقاط التفتيش والحواجز الأمنية في 11 مدينة عراقية مخلفة العشرات من القتلى والجرحى أغلبهم من عناصر الشرطة في أحدث تدهور امني سريع يترافق مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق.
المشهد العراقي الراهن بدمويته وتناقضاته يدعو إلى الحزن العميق، فما زال قادة العراق يتلاعبون بمشاعر الشعب العراقي من خلال الوعود باقتراب تشكيل الحكومة، وهي تلك الوعود التي جاء آخرها أمس بإبداء ائتلاف المالكي ثقته بإمكان تشكيل «حكومة شراكة وطنية» برئاسته قبل نهاية شهر رمضان الجاري، في الوقت الذي يدرك فيه أن أحد أكبر عوائق تشكيل الحكومة رفض ترؤسه للحكومة المقبلة من قبل أحزاب داخل الائتلاف الذي يترأسه.
لاشك أن الضغوط الخارجية لترشيح اسم محدد لرئاسة الحكومة المقبلة هو استخفاف بسيادة العراق ومصالح شعبه، وتعد على خيارات الشعب العراقي الوطنية، إلى جانب ما يعكسه من سلب للإرادة الوطنية السياسية لأن هكذا حكومة ستكون مهمتها الأولى إرضاء الطرف الخارجي الذي ساعد في فرضها كأمر واقع، ومن الواضح أيضًا أن هكذا حكومة ستكون المصلحة العراقية آخر ما تفكر فيه أو تعمل من أجله.
ما يجري الآن من مفاوضات وتبادل للزيارات والابتسامات بين قادة العراق يدعو إلى الاستغراب لأنه يعكس صراعًا مريرًا على السلطة وعلى إرضاء الأطراف الخارجية أكثر مما يعكسه من محاولات للاتفاق والتوافق.
إضافة تعليق