طريف عيد السليطي
الجمعة 01/10/2010

لا يمر يوم دون أن أقرأ لكتاب الصحافة المحلية والعربية، وأبرز الملاحظات التي ترد إلى ذهني مباشرةًُ هي: “إن هؤلاء الكُتاب لا يقرؤون شيئًا”! لا أقصد هنا مجرد القراءة العادية والتقليدية التي يفهمها الجميع على أنها مجرد تصفح لوريقات الكتب والأسفار، ولكن ما أردته بالقراءة معناها الواسع والعام والذي يشمل التحليل والتفكير والقدرة على نقد الظواهر من أساساتها وجذورها. القراءة توشك أن تكون غائبة عن عقول الكتاب، فهم يستمدون مادتهم في الكتابة -غالبًا وإن لم يكن دائمًا- من مجريات الواقع “البحت”ومن فيضان الأحداث المتتابعة والمتتالية والتي تستمر في التداعي والسيلان والانسياب بلا نهاية ودونما غاية مكشوفة. ومعروف أن الواقع، أي واقع كان، له صفة الصيرورة والتغير والانقلاب والتبعثر، ولكن العقل البشري له صفة تعميم المقولات الساكنة بغية فهم الظواهر، ثم تطويعها، والهيمنة عليها، وهذا ما أجده مفقودًا لدى هؤلاء الكتاب الذين وصفتهم بأنهم أميون، فهم يتابعون ويلاحقون الظواهر وتتقلب آراؤهم بتقلبها دون أن تكون لهم وجهة نظر، ودون أن تتأسس لديهم النظرة الصلبة والمعيارية تجاه الواقع! وحتى وإن كانت ثمة قراءة ضمن معناها التقليدي القديم، فإنها قراءة في كتب أستطيع وصفها وأنا مرتاح وممدود الساقين بأنها “سطحية”وإذا ما تجاوزت سطحيتها فهي تتحول إلى كتب “مدرسية”و “تعليمية”من نافلة المداخل والمقدمات والتمهيدات، ولا تتعدى هذا النطاق، وأسوأ من هذا كله عندما تكون القراءة مقصورة على الروايات المبتذلة للمراهقين وأنصاف الكتاب. لقد تحولت القراءة إلى تابو مرعب، تابو يخجل الإنسان من الاعتراف به والإقرار بوجوده بالرغم من بلوغنا للألفية الثالثة. أحد المتحمسين كثيرًا للانفتاح الفكري مّمن أعرفهم كان يطالب بإيجاد جامعة لكل مدينة، فقلت له: قبل إيجاد الجامعات، وهي ليست قليلة في بلادنا على كل حال، يجب إيجاد مكتبات، ولكن حتى في هذه الحالة، سنكون في ورطة العثور على روّاد وزوّار لهذه المكتبات! إن مطالبة هذا الشخص البريء بتأسيس مزيد من الجامعات لا تختلف عن مطالبة المتحمسين للدين ببناء المزيد من المساجد حتى وإن تخلف عنها المصلون، لقد تناسى هؤلاء أن بناء الإنسان يكون من داخله ولا يهم حينها أن تكون ثمة مبان فخمة أم لا، لقد توفرت لدينا المباني والقبب الضخمة، واختفت الأرواح والنفوس ومعها العقول! والطابع العام للكتابة الصحفية لا يختلف عن الطابع العام للحياة الاعتيادية واليومية لدى عامة الناس، والموضوعات المثارة لا تختلف كثيرًا عن دردشات القهاوي والمقاهي و “التربيع”على الأرصفة وخبص “البلوت”وحتى من يمكن تسميتهم بكتاب النقد الإداري أو هُواة التحليل السياسي لا يخرجون عن هذه النمطية “القهوجية”باعتبار أن سواليفهم تتحول بقدرة قادر إلى مقالات نكتشف بأنها في آخر المطاف ليست سوى سواليف مدبجة على هيئة مقال مطبوع. ونادرًا جدًا ما نجد استشهادات أو مراجع في هذه الكتابات، فهي مبنية على الإنشاء المحض وصيد الخاطر وتتبّع الفكرة ضمن بداهتها من غير التشكيك بها ولا حتى التفكير بتضاعيفها أبسط تفكير، وربما كان لهم آراء مناقضة بعد فترة يسيرة من الزمن وبعد أن تستولي على نفوسهم شهوة جديدة للآراء، ولا أعني هنا حدوث أي نوع من المراجعة الفكرية أو عملية نقد الذات، فهذا أبعد ما يكونون عنه! أما البعد النظري والكُلي والتحليلي فهو شبه مفقود، وحتى النقودات الموجهة إلى الأجهزة الإدارية والتنفيذية هي بالغالب ذات نفس “متسرع”و “لاهث”وتفتقر للقراءات المعمقة في المعارف والعلوم الإنسانية: فالنقد الإداري يجب أن يتوخى المعرفة الصلبة بعلم الإدارة والاقتصاد فضلًا عن هضم العلوم الإنسانية المختلفة كعلم الإناسة والاجتماع والسياسة، وأخف الضرر هو الاطلاع على علم الفلسفة، هذا العلم العظيم الذي يتيح لقارئه معرفة أسس العلوم جميعها، بفرعيها الإنساني “الروحي”والطبيعي “المادي”، أما الاستمرار ضمن مهزلة تصيّد الخواطر وتنميقها إنشائيًا على هيئة مقالات فهذا ما لا يُمكن احتماله، والأدهى أن تكون القاعدة هي تسطيح المعلومة وسرعة سلقها وطبخها قبل أن تنضج وتكتمل في ذهن كاتبها، والشذوذ هو أن يكون ثمة تأسيس متوطّد الأركان للكتابة المحترفة. وقد يتهمني البعض بكوني مغاليًا في نقدي للكتابات الصحفية وأن هذه المقالات ليست متخصصة ولا أكاديمية، وهنا أقول بأنه لا تعارض بين العمق والتبسيط، ولا تناقض بين “الكتاب”الضخم والمقالة “السريعة”، فاللغة البشرية تملك من العبقرية ما يمكّن لها الحياة والبقاء حتى في أصعب الظروف والتحديات، ودور الكاتب يكمن في تركيب هذه المعاني العميقة والمبثوثة في الكتب أو حتى في عالم الحياة الجارية وإيصالها عبر لغة واضحة وسلسة إلى القارئ المتلقي الذي يساهم هو الآخر من موقعه كناقد وقارئ ومحلل ومشارك في عملية فهم النص وتأويله، إذ لا فائدة من الكتابة لقراء مستهلكين ولا يساهمون في صناعة الثقافة ذاتها. أما لو كانت الكتابة الصحفية مقصورة على الكتاب ذوي النظرات السريعة والخاطفة لما كان للصحافة أن تتأسس وتحتضن أقلامًا عملاقة منذ نشأتها في بلاد العرب والأجانب على السواء، إذ يندر أن يوجد مفكر كبير أو فيلسوف معروف دون أن تكون له مقالاته الصحفية التي تشكل امتدادًا لفكره وعلمه.

خيارات الحفظ والمشاركة أرسل إلى تويترأرسل إلى فيس بوكأرسل إلى جوجلحفظ PDFنسخة للطباعةأرسل على البريد

خيارات عرض التعليق

إختيار الطريقة التي تفضلها لعرض التعليقات، ثم اضغط على "حفظ الإعدادات" لتفعل التغيرات.
7

أخي العزيز طريف


أوافقك في أهمية القراءة الغزيرة وأنها شرط ضرورة للصحافي ولكنها ليست في رأيي شرط كفاية، لا سيما في الشئون التي تستحق القراءة وشراء الصحيفة. فالقراءة وحدها لا تصنع مثقفاً نافعا مهما تكن درجة اطلاعه الشخصي النظري،وذلك لأنه يحتاج لمعايشة ميدانية للأحداث. واليوم لدينا أعظم الأمثال يضربها الصحفيون الأجانب عندما يغتربون عن أوطانهم في أماكن الأحداث متصدين للمصاعب ومعرضين أرواحهم للمخاطر بينما يبقى كثير من صحافيينا المحليين مهما علا شأن بعضهم خلف مكاتبهم يتلقفون الخبر تلو الخبر من وكالات الأنباء العالمية فيسقطونه على وعيهم الذاتي والمحدود بحدود غياب الممارسة والعطب الشديد المتمثل في نقص الخبرة، خبرة التعايش مع الحدث ذاته. فالقضية أيها الصديق الحميم ليست قضية معرفة بتواريخ أو أسماء أو رؤى واطروحات أناس غربيين رأوها حيال شئون تجري في مجتمعاتهم الخاصة أو العالم بقدر ما هي قضية دراية ووعي ذاتي بما يجري في محيط المثقف نفسه. هذه الدراية لا تتأتى بالمطالعة وحدها بل بالممارسة والتعايش مع الحدث. ومما يحفظ المرء للراحل القصيبي رحمه الله أن تثقيفه لنفسه كان عبر أهم القنوات الثقافية هي قناة الممارسة والمعايشة. إنها قناة أتاحت له وللمثقفين الحيويين الإطلالة الشاملة على الواقع بدون الحاجة لكتاب والإشراف على الميدان بشحم ولحم الأخير . هذه الإطلالة هي في رأيي الشرط الكافي ليكون الإنسان واعياً بواقعه وعياً حيوياً لا يشترط بالضرورة معرفة في الإملاء والضبط بالشكل أو كما يتبجح بعضهم بفن كتابة العمود الصحفي وليست كذلك بالمعرفة الغزيرة بأسماء أقطاب الآراء والفلسفات أو أرباب القيل والقال في عالم الأدب والفلسفة والدين. هذه أمور تكميلية بعد أن يتشرب الإنسان بحقائق واقعه ويستلهمها ويشكل موقفا فكريا يتحمل تبعاته اتخاذه ، وبعد ذلك، نعم، تأتي الناحية الفنية في الإطلاع النظري والحرفة في الكتابة مما يتيح للصحفي والمفكر صياغة للواقع جذابة للمتلقي وراقية في إيصال المعاني. أماالإكتفاء بطرق الصياغة وترديد الأفكار وربطها بواقعنا دون معايشة حقيقية له فهذا لا يصنع صحافيا فضلا عن أن يصنع مفكرا ومثقفا.


سعد صايل



6

مقال يحوي عمقا في تحليل المقالات "سلق بيض"!!


أؤيدك بكل ماذهبت إليه، وأحمد الله على هذه الفرصة التي قادتني لقراءة مقالك الجميل...



5

خير دليل على كلامك هو نقد كثير من الكتاب لماهو جديد بكلام عام ودون أن يعرفو تفاصيله ودون أن يسألو المتخصصين فيه بل نصبوا أنفسهم عن ذلك كله وبسطحية تامه



4

أشكرك على اسلوبك الرائع الذي يجمع النقد والفكاهة والمادة العلمية والتأصيل وووووووووو.


أقتبس من مقالك هذه العبارة التر أضحكتني كثيرا


(أستطيع وصفها وأنا مرتاح وممدود الساقين)



3

سأفسر بعض مقال الكاتب ليفهمه الآحرون الحياة مليئة بالسيناريوهات نعم ولكن مالهدف من عرضها ومالطريقة التي عرض بها ومالنتيجة التي خرج بها الكاتب وهل كل هذا على أسس صحيحة أم مجرد سوالف ليل يمحوها النهار


بيان



2

لافض فوك يارجل ! (صدى الأحساء)



1

حياتنا التي نعيشها سيناريوات وحوارات وتكبد المعيشه تفقد الحليم حلمه \\ لو نظرت يمينك وشمالك ومن فوق ومن صبح تحت \\ ودونت بقلمك حكايات يومك وجمعتها شهرا لدخلت موسوعة غنيس من اوسع ابوابه من عجب العجاب \\ ولو تناول كل كاتب موضوع مادونه ونشره وجمع الجميع لؤلفت مؤلفات تقراها الأجيال اللاحقه \\\جميل قرشي جميلكو



إضافة تعليق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

أخبار الساعة

             
حول المؤسسة   الإدارة والتحرير   إصدارات المؤسسة   الاشتراكات الورقية   استوديو المدينة   أندرويد   آيباد وآيفون   تواصل معنا