شاركنا الآن .... هل تقوم بالفحص الطبي الشامل بشكل دوري للتأكد من خلوك من الأمراض؟

المفكر حمزة المزيني: وعاظنا يشبهون المسيحيّين في مطاردة النّساء واختلاق القصص!!

مواجهة: ساري محمد الزهراني
الجمعة 21/01/2011
المفكر حمزة المزيني: وعاظنا يشبهون المسيحيّين في مطاردة النّساء واختلاق القصص!!

لئن كان المفكّر السعودي الأستاذ الدكتور حمزة المزيني قد أشرع قلمه في كثير من المقالات التي نشرها على الرأي العام سابقًا ناقدًا فيها "التيار الديني المتشدد"؛ فإنه في هذه المواجهة ذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ يرى في هذا التيار مهددًا للنسيج الوطني، من واقع ما تمارسه من "إقصاء" للمخالفين لها مذهبيًّا وفكريًّا، مدللًا على ذلك بسرد الكثير من المشاهد التي تدل على التأثير السالب لهذا التيار على المجتمع مشيرًا إلى أنه ليس من الصالح أن يسيطر فكر أحادي على المجال العام مهما كان تاريخه؛ مبينًا أن فلول الإخوان المسلمين والمتشددين هم ما أوصل المجتمع إلى هو عليه الآن؛ حيث أصبحت كثير من تصرفات الناس العفوية الآن من قبيل المستنكرات إن لم يكن المحرمات في نظر هذه الفئة، لافتًا إلى أن "الانفجار الإفتائي" شوَّه فطرة الناس وزادهم شكّلًا وجهلًا ووسوسة، مشبّهًا بعض الوعاظ بالوعاظ المسيحيين الذي درجوا في حقبة من الحقب في أوروبا على مطاردة النساء واختلاق القصص التي تبكي الناس، مؤكدًا أن الأمر السامي الذي قصر الفتوى على هيئة كبار العلماء قد أسهم في مدة قصيرة بإسكات كثير من المتطفلين على الفتوى في بلادنا.. المزيني رفض اتهامه بالبحث عن الشهرة في ما يجيره من نقد على التيار الإسلامي، واصفًا مثل هذا السلوك بالتدليس والأداة المستخدمة للانتقاص منه، داعيًا إلى عودة "الترفيه" في المجتمع تبعًا لما كان عليه الحال قبل "الصحوة" حين كان الغناء والموسيقى والمسرحيات أمرًا عاديًا في احتفالات جامعة الملك سعود وفي حفلات الأفراح، وحين كانت الدكاكين لا تغلق أبوابها في أوقات الصلاة حتى التي كانت بجوار الحرم النبوي الشريف، مع انتشار دور السينما والمسرح.. الكثير من الآراء الساخنة طي هذه الحلقة الأولى من المواجهة مع المفكر الأستاذ الدكتور حمزة المزيني..
طالبت في أكثر من موضع بـ"خلخلة" مفهوم التيار التقليدي أيًّا كان موقعه، واصفًا إياه بالعائق الحقيقي أمام وحدة النسيج الوطني هنا.. ما هو مفهوم التقليدية في رؤيتك؟
هذا الكلام غير دقيق؛ ذلك أنني كنت أتحدث في سياق مختلف. ما قلتُه هو أن المجتمع السعودي متعدد المذاهب والانتماءات والأفكار. لذلك فإن استـئثار تيار معين بالهيمنة لا بد أن ينتج عنه قيام الناس الذين ينتسبون إلى مذاهب أو تيارات دينية أو فكرية أخرى بردود فعل مساوية في الحدِّية والإقصاء. لذلك فليس من صالحنا على المدى الطويل أن يسيطر فكر أحادي على المجال العام مهما كان تاريخ ذلك الفكر.
إذا سلمت بما قلت؛ فلي الحق في طرح السؤال بصورة أكثر وضوحًا: هل ترى أن التقليدية هي العائق الحقيقي أمام النسيج الوطني؟
- كان بعض التقليديين في بعض الفترات السابقة ينفون الآخر المختلف سواء كان اختلافه مذهبيًا أو فكريًا. هذا جزء من تاريخنا وقد بدأنا الآن نتعافى منه. والمشكل أن هذا الإقصاء يمكن أن يهدد النسيج الوطني ذلك أنه إذا استثني أحد أو نُظر إليه نظرة دونية فلن يكون سعيدًا بذلك وسيكون رد فعله سلبيًا ضد من يقفون منه هذا الموقف السلبي.
الشباب قادة التغيير
اعتبرت التغيير في الشارع المحلي لن يتأتى إلا على يد الشباب وليس كبار السن "لأن الشباب لديهم أفكار قد تُنقض الأفكار السائدة".. من تقصد بكبار السن؟
الشباب هم الذين يقودون التغيير دائمًا. كثيرًا ما يقال لنا إن كبار السن هم الذين يبدعون الأمور الجديدة والمهمة. لكن الواقع الذي تشهد به حتى العلوم الدقيقة الحديثة أن الإبداع لا يأتي به إلا من هم في سن الشباب. بل إننا نجد في تاريخنا أن علماء المذاهب الأربعة الكبار أنجزوا ما أنجزوه في شبابهم ومقتبل أعمارهم. ويعود هذا إلى سبب بسيط هو أن الإنسان ينحو نحو المحافظة كلما تقدمت به السن. وهذا ما يجعله يتردد في التحول عما ألفه.
لا استثناء لكبار العلماء
وهل ينسحب كلامك على أعضاء هيئة كبار العلماء؟
هذا يشمل كبار العلماء وكبار السن عمومًا سواء كانوا علماء أو من عامة الناس.
وهذا ما حدث في التغييرات التي أجراها الملك عبدالله بن عبدالعزيز - رعاه الله - مؤخرًا. وقد حدثت كثير من التغييرات الجيدة والمهمة مع دخول هذه الوجوه الجديدة الشابة نسبيًّا. إذ تغيرت كثير من الأمور التي لم يكن أحد يتصور أن تتغير.
يا دكتور حمزة هيئة كبار العلماء يتم تدعيمها بين الفترة والأخرى، مع علمنا بأن هناك أسماء ثابتة لم تتغير.. برأيك هل ترى أن الوقت قد حان لتغييرها وضخ دماء جديدة فيها؟
كبار العلماء بشر مثلنا، وقد حددت الدولة سنًا للتقاعد هو (60 سنة). وقد بلغ بعضهم السبعين أو الثمانين، ونسأل الله لهم أعمارًا مديدة. لكن الأفضل ربما يكون تطبيق السن القانونية للتقاعد على الجميع. وهناك الآن كثير من دارسي العلوم الشرعية في بلادنا ولابد من الاستفادة منهم قبل أن تتقدم بهم السن.
كأني بك تطالب بوضع سن تقاعدية لبعض أعضاء هيئة كبار العلماء؟
- كلامي هذا في سياق قول الذين يقولون إن كبار العلماء هم - بسبب تقدمهم في العمر وحده - يزدادون بالضرورة علمًا. وأنا أقول إن هذا ليس صحيحا بالضرورة، وهؤلاء الأفاضل - أنفسهم - لا يزعمون هذا لأنفسهم.
تجريم التصرفات العفوية
قلت في إحدى مقالاتك: ".. هذا ما نشهده اليوم في مجتمعنا من زيادة في عدد المحرمات وانحسار في عدد المباحات، وإدخال الدين في كل شيء تقريبًا".. إلى أي شيء ترمي يا دكتور حمزة؟
أقصد إدخال أشياء هامشية وجانبية والنظر إليها كأنها من أولويات الدين. وهذه الأمور لم تكن سائدة قبل عقود قليلة. أنا ابن المدينة المنورة وكانت الدكاكين حتى جوار الحرم النبوي الشريف - إلى أوائل التسعينيات الهجرية من القرن الماضي - لا تغلق في أوقات الصلاة. وكانت الراديوهات تصدح بالأغاني في الدكاكين المجاورة للحرم ولا يستنكر ذلك أحد.. وكان الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- موجودًا حينذاك في المدينة رئيسًا للجامعة الإسلامية. لهذا فكثير من التصرفات التي كان يفعلها الناس بعفوية أصبحت الآن من قبيل المستنكرات إن لم يكن المحرمات.
ما الذي أوصلنا إلى هذا برأيك؟
الذي أوصلنا هو التنظيم الذي أدخلته فلول الإخوان المسلمين على التشدد الذي كان موجودًا من قبل ولم يؤد إلى انغلاق المجتمع. كنت في الفترة السابقة على ظهور الصحوة طالبًا في جامعة الملك سعود وكانت احتفالاتها الاجتماعية تتضمن فقرات من الغناء والموسيقى وبعض المسرحيات. وكانت تعرض في مساء كل خميس بعض الأفلام في مدرَّج كلية الآداب في الملز. ولم يكن أحد يستنكر هذه النشاطات، وكان ذلك يحدث في أثناء حياة مفتي المملكة السابق الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، وفي حياة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وغيرهما من العلماء. وكان جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجودًا.
لقد صار إغلاق المحلات التجارية وقت الصلاة من الأمور الواجبة في غير الرياض التي كانت هذه الممارسة مقصورة عليها في ما يبدو لي.
إغلاق المتاجر
تقول إن إغلاق المتاجر في أوقات الصلاة لم يكن موجودًا؟
لم يكن موجودا في المدينة المنورة في الأقل، وهذا ما أعرفه يقينًا.
هل تقصد أنه جاء الإغلاق فيما بعد؟
نعم، وامتدت هذه الممارسة إلى المدينة المنورة نفسها.
وهل تعتقد أنه جاء على يد بعض المتدينين؟
ربما يكون الأوفق القول: على أيدي الصحويين.
تجهّم وخواء نفسي
دعني أعود إلى ما قلت به سابقًا وذلك حول الغناء الذي كان يتم في جامعة الملك سعود؟
نعم وكانت هناك فقرات لعزف الموسيقى في فناء جامعة الملك سعود الواقع في شارع الجامعة في الملز.
وإذن أنت تطالب بأن تعود هذه الأيام؟
ولماذا لا تعود؟
في جامعاتنا؟
- وما المانع؟ ليتنا نعود إلى الاهتمام بالترفيه الذي اختفى من حياتنا وتحولت بغيابه إلى حياة ملأى بالتجهم والخواء النفسي..
حفلات فرح كئيبة
مع هذا دكتور لم تجبني على سؤالي حول ما قلت به عن زيادة في عدد المحرمات، وانحسار في عدد المباحات؟!
هي كثيرة. لكن مظاهر الحياة التي كانت مألوفة انتهت في وقتنا الحاضر. فقد استبدل بها أشياء جديدة تحد من انطلاقات تلك التصرفات العفوية التي كان الناس يعتادونها. ويمكن أن أشير إلى أنه لم تكن تخلو حفلة زواج من ألوان الغناء الشعبي الرجالي والنسائي ومن الفنون الشعبية للرجال، وكان بعضها يتضمن الغناء بشكله المعروف والموسيقى ويعرض في بعضها بعض الأفلام المصرية خاصة. انتهى كل ذلك وصارت حفلات الفرح الآن كئيبة. وتطرف بعض الناس ليجعل منها مناسبات للوعظ يتفاخرون بمن يحضرونه من الدعاة لإحيائها!
مجتمع بلا ترفيه
وفي ذات السياق قلت -أيضا- : " ويماثل هذا جعْل كثير من الملتزمين الآن أنفسهم رقباء على الناس، بل صاروا يعترضون على كثير من الأمور التي ربما لا تعارض الدين لكنها لا تتوافق مع التشدد الذي يأخذون به أنفسهم فيحرمون الناس من التمتع بها".
مجتمعنا يفتقر إلى أنواع الترفيه كلها. ويمكن أن تجد الآن جموعًا من الشباب يهيمون على وجوههم في الشوارع والطرقات محرومين من الترفيه ولا يجدون مكانًا يقضون فيه أوقات فراغهم. فهم يطردون من الأسواق والحدائق والمتنزهات التي تستأثر بها "العوائل". ومن هنا فإن كثيرًا من مشكلاتنا تنشأ من عدم وجود أماكن للترفيه عن هؤلاء الشباب. ما المانع أن يكون هناك دورًا للسينما ودورًا للمسرح تحتوي هؤلاء الشباب ليقضوا فيها جزءًا من أوقات فراغهم؟
وكانت هناك بيوت تعرض فيها بعض الأفلام في المدينة المنورة وفي بعض المدن الأخرى. وأذكر أني حضرت عرض بعض الأفلام في بيت كان يقع في زقاق الطيار في المدينة المنورة ولا يبعد عن الحرم النبوي الشريف كثيرًا. ولم يكن هناك دور علنية للسينما. وكانت هناك محلات تؤجر الأفلام وأجهزة عرضها في أيام الإجازات الأسبوعية في كثير من المدن السعودية.
خطأ المواعظ المتشددة
وهل تعتقد أن الثقافة الشرعية تتمدد وتنتشر في أفق أرحب من ذي قبل، كما أن الأحكام الفقهية تتفاعل يوميًا مع الأحداث السياسية والاجتماعية وغيرها، وصارت المعلومة الفقهية تأكل مع الناس وتشرب؟
لست ضد انتشار الثقافة الشرعية ووصولها إلى آفاق أرحب. الأمر الواضح أن هذه المعلومات الفقهية لم تزد الناس تفقها. بل الواضح أنها زادتهم جهلًا ووسوسة. وربما يعود ذلك إلى أن هذه المعلومات جاءت إليهم من خلال المواعظ المتشددة التي توحي إليهم بأنهم لن يصلوا إلى الطمأنينة في دينهم بسبب الأمور الهامشية التي لا حد لها. لقد ابتعد الوعظ عن القصد الأول منه وهو إشاعة التقوى إلى الاهتمام بتقييد الإنسان بكثرة التفصيلات اليومية التي يقال له إنه لن يبلغ حد الكمال في أدائها.
ما يمكن قوله أنه حين نقارن الناس اليوم بما كانوا عليه قبل 50 سنة نرى أنهم الآن يستطيعون الوصول للمعلومات الفقهية بأنفسهم من غير حاجة إلى الاعتماد على الغير. فمعظم السعوديين الآن وصلوا إلى درجات متقدمة من التعليم لا تقل عن مستوى الثانوية. وهذا ما يجعل من الممكن لهم أن يصلوا ببساطة إلى الكتب الفقهية الجامعة المؤلفة حديثا والمتوفرة الآن بأشكال مبسطة على شكل كتب وبأسعار ليست عالية أو بصورة ملفات في الإنترنت. يستطيع المسلم الآن أن يستقل استقلالًا تامًّا عن الفقهاء والمشايخ ويصل إلى قناعاته من خلال ما يؤديه إليه فهمه في ما يخص القضايا الفقهية. إنني أستغرب ممن يلحُّون في طلب الفتاوى الآن، مع أن بالإمكان الحصول على الآراء الفقهية بأبسط وسيلة.
وعاء معرفي
هل أفهم من كلامك السابق التعويل على أخذ الفتوى من شبكة الإنترنت؟
أصبحت الإنترنت وعاء معرفيًّا وافيًا، وصار هناك مواقع موثوقة للهيئات العلمية والدينية السعودية وغير السعودية وتحوي كل ما يمكن أن يحتاج المسلم إلى الرجوع إليه في مجال الدين.
الانفجار الإفتائي
ولكن البعض يقول إن الإقبال على برامج الإفتاء لا يدل على نجاحها وفاعليتها، وأنها مع مرور الوقت سينضج فقه السؤال والجواب، وسنتجاوز مرحلة الأسئلة السالبة والإجابات الجاهزة، واجتزاء الأجوبة، بسبب القصور لدى بعض المفتين أو بسبب فرض الشروط الإعلامية على هذه البرامج.. فما قولك؟
- لقد أثرت برامج الإفتاء كثيرًا على الناس. بل أدخلت عليهم كثيرًا من الوساوس وعدم الثقة بأنفسهم وبمعرفتهم عن دينهم. وربما كان هذا من استراتيجية الاستدراج التي يقوم عليها الإعلام. فالاهتمام ببرامج الإفتاء يؤدي إلى تعلق الناس بها وهو ما يلبي الحاجة التسويقية لأجهزة الإعلام. وكما قلت في السابق إني أستغرب من اهتمام الناس الزائد بهذه البرامج مع قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس". وهذا يعلي من شأن المسؤولية الفردية ويملي على المسلم أن يصل بنفسه إلى المعلومة التي يحتاج إليها مهتديا بالتقوى التي توجهه لتحري الأقرب للحق. فعلى الرغم من هذا التوجيه النبوي الشريف الذي يوجب على المسلم أن يربي قلبه على تحري الحق بنفسه إلا أن كثيرا من الناس صاروا مدمنين على الفتاوى حتى إنهم صاروا يشغلون المفتين بأسئلة تافهة. بل صار كثير منهم لا يقدم رجلا ويؤخر أخرى إلا بفتوى. لقد علمنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن: "الحلال بيِّن والحرام بين". لكن الناس الآن أصبحوا أكثر ميلًا إلى إلغاء عقولهم وإلقاء التبعة على المفتين الذين ربما تؤدي فتاواهم إلى تشويه الحدود بين الحلال والحرام. وأدى هذا الانفجار الإفتائي الذي نشاهده حاليًا إلى تشكيك الناس في ما يعرفون وشوَّه فطرهم. كانوا يعيشون الحياة بتلقائية ويدركون الفروق بين الحلال والحرام بالفطرة. كانوا يفعلون ذلك ولم يكونوا متعلمين. عندما تستمع إلى برامج الإفتاء لا تملك أحيانا إلا أن تضحك وتستغرب أن تخطر بعض الأسئلة على بعض الناس.
تخبط وحيرة
أنت على هذا ضد هذه البرامج؟
من الواضح أنها أربكت الناس وأدخلت في قلوبهم عدم الثقة بأنفسهم وأدت إلى تضخيم عدد المفتين ورفعت من شأن المتشددين المتحوِّطين من المفتين. وأدى ذلك كله إلى مستوى من الحيرة التي جعلت الناس يتخبطون ولا يدرون من يصدِّقون. والأغرب أن يأتي هذا على الرغم من انتشار التعليم وتعدد وسائل الحصول على المعرفة.
العفو يا دكتور فليس أكثرهم من أصحاب الفتوى؟
- كثير من الأمور لا تحتاج إلى إفتاء. معظم ما يمر بالإنسان في يومه وليلته لا يحتاج فيه إلى فتوى، خاصة في بلادنا التي يتعلم الطالب والطالبة فيها ما يكفي من التعليم الديني طوال اثنتي عشرة سنة.
ألا تلحظ أنك تظهر شيئًا من التناقض فيما قلت به قبلًا؛ فأنت تطالب من جهة بالبحث في الكتب ومنابع المعرفة وترسل في ذات الوقت سهام التشكيك!
- بإمكان الإنسان أن يذهب إلى المكتبات أو إلى الإنترنت ليبحث في مصادر المعلومات المتوفرة. ومن المحتمل أن يصل إلى قناعة مختلفة عما يمكن أن يحصل عليه من مفت. لكن هذا أسهل من أن يعتمد على فتوى شيخ لا يعرف ظروفه. الشيخ لا يعرف ظروف المستفتي فيؤدي ذلك إلى سوء فهم لسؤاله وهو ما يؤدي إلى فتوى ربما لا تكون ملائمة له. ومما أدى إلى كثير من اللبس والوسوسة أن المفتي يفتي بما يعرف في بيئته، مع اختلاف بيئة المستفتي عنها. وربما أدى ذلك إلى مشكلات تنشأ عما نشاهده من اختلاف بين المفتين الذين ينتمون إلى بيئات مختلفة. الواجب أن يرجع المسلمون بأنفسهم إلى المصادر الفقهية وأن يبحثوا فيها. سيؤدي هذا بالتأكيد إلى الرفع من وعيهم وثقافتهم وتشجيعهم على تأسيس مكتبات في منازلهم. لا توجد حاجة للإفتاء بالطرق التي يفعلها الناس الآن.
تفرد بالرأي المهجور
وهل تعتقد أن بوصلة الإفتاء في بلادنا ضاعت من خلال وصاية غير الشرعيين عليها؟
نعم. لم يشتت أذهان الناس إلا برامج الإفتاء هذه. من المؤسف أن الناس قلّما تكلف أنفسها عناء البحث ولو كان بسيطًا. من المستغرب أن تجد الناس يستفتون في المواسم الدينية عن المسائل نفسها التي يسألون عنها في المواسم الدينية نفسها في الأعوام الماضية. فإذا جاء رمضان وجدتهم يسألون عن المسائل التي كان يجب أن يعرفوها من خلال المناهج التي تعلموها. ويمكن أن أمثِّل لذلك بقضية زكاة الحلي. حلي المرأة ومجوهراتها. هل فيها زكاة؟ البعض يقول لا زكاة فيها وآخرون يقول فيها زكاة. يسأل الناس دائمًا في رمضان عن هذه المسألة وهم يعرفون يقينًا أن هناك اختلافًا فيها. ومن ذلك أيضًا السؤال عن زكاة الفطر التي لا يكاد يجهل أحكامها أحد. بالإمكان معرفة آراء الأئمة الأربعة في هذه المسائل ببساطة، لكن برامج الإفتاء تشكّك الناس في ما يعرفون لأن بعض المفتين يعمد - طلبا للتفرد - إلى البحث عن رأي مهجور لم يسمع به أحد من قبل.
وسوسة مرضية
ولكن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال يا دكتور!
ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس"، و"الحلال بيّن والحرام بيّن". لكن الناس يسألون الآن عن قضايا كثيرة نتيجة للوساوس التي نشرتها برامج الإفتاء. ومن أغربها أن تسمع مستفتيا يسأل هل بإمكان المرأة أن تلبس البنطلون أم لا، مثلًا؟ قضايا ليست أساسية وهي تدل على مستوى الوسوسة المرَضي التي ابتلي بها الناس.
إذن هي مطالبة جادة بإعادة النظر فيها..!
المسلمون قبل الفضائيات وقبل الإذاعة كانوا يستفتون قلوبهم. وقد وصل الحال إلى الجرأة على الفتوى حدًّا بعيدًا كان من اللازم التصدي له. وهذا ما تمثّل في أمر خادم الحرمين الشريفين الذي أصدره قبل أشهر بقصر الفتوى على هيئة كبار العلماء ومنع الافتئات عليها. ومن الواضح أن هذا الأمر السامي أسهم في مدة قصيرة بإسكات كثير من المتطفلين على مقام الفتوى في بلادنا.
مطاردة النساء واختلاق القصص
في 8 /4/1425 قلت: "إن ما نشهده من مظاهر "الالتزام" المبالغ فيه الآن دليل على أننا في وضع تاريخي يشبه الوضع الذي كانت تعيشه أوروبا في العصور الوسطى. ومن هنا فربما يصح القول بأن أول شروط نهوض المسلمين الآن يكمن في التخلص من سيطرة التفسيرات السطحية للدين وعدم اتخاذه أداة للهيمنة والتسلط والرجوع به إلى منابعه الصافية التي تشجع التفكير والعلم ولا تحرم زينة الله التي أخرج لعباده". ألا تعتقد أن هناك مقارنة مجحفة بيننا نحن المسلمين وبين العصور الوسطى الأوروبية؟
هذا لا يعود إلى كوننا مسلمين أو كونهم مسيحيين بل إلى الظروف التي كانت موجودة في القرن الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين في أوروبا وهي تشبه في كثير من جوانبها الظروف التي يمر بها المسلمون الآن. كان هناك أجهزة للأمر بالمعروف تماثل ما لدينا، وكانت هذه الأجهزة تطارد النساء في الشوارع وتلزمهن بأن يتحجبن. وكان بعض الوعاظ المسيحيين حينذاك يختلق القصص التي تبكي الناس من أجل الوعظ بها، وهو ما يماثل ما يقوم به الوعاظ عندنا.
وهل يجوز تنزيل أحوال الكافرين على المؤمنين؟
هؤلاء بشر قبل أن يكونوا مسلمين أو كافرين. التصرفات التي كانت موجودة عندهم تماثل التصرفات الموجودة عند المسلمين الآن لأنهم بشر.
أنا أسأل.. هل يجوز ذلك؟
أنت الآن تستفتيني (ضاحكًا).
أنا لا أطلب استفتاء؛ ولكنك أسقطت الحكم وهذا يعني أنك أجزت ذلك؟
أنا أقارن بين الوضع في أوروبا المسيحية والوضع في بعض البلدان الإسلامية.
وهل يصح تنزيل أحوال الكنيسة على المسجد؟
- هذه مقارنة. المشكلة ليست مشكلة المسجد أو الكنيسة بل هي مشكلة بشر.
والإنجيل على القرآن؟
أنا لم أتحدث عن الإنجيل ولا القرآن الكريم، أنا أقارن بين الناس في ذلك العصر والناس في عصرنا.
وهل تجوز المقارنة في هكذا مسائل بين رجال الدين في القرون الوسطى برجال الدين في العصر الحالي.. فهؤلاء كانوا يتجهون إلى المسجد وأولئك كانوا يتجهون إلى الكنيسة؟
- تحدثت عن تصرفات بشر ولم أحدد أحدا أو أذم أحدًا في الحالين. أنا أقارن بين وضعين معروفين بينهما أوجه تشابه كثيرة.
ألا تعتقد أن هذه المقارنة تقتضي الثورة على القرآن الكريم كما ثارت أوروبا على الإنجيل؟
أوروبا لم تثر على الإنجيل، بل ثارت على بعض مستخدمي الإنجيل من خلال بعض التفسيرات غير المعقولة.
كأنك تطالب بالثورة على رجال الدين..!
من الشائع أن يقال إن الإسلام ليس فيه رجال دين. والواقع أن هناك طبقة جعلت من الدين وظيفة لها وهي تشبه رجال الدين في المسيحية. من المؤكد أن الحال عند المسلمين ليست بالحدة التي كانت موجودة في أوروبا المسيحية. لكن المسلمين بحاجة إلى التحرر من هيمنة الطبقة التي تحتكر تفسير الدين وتتخذ من ذلك ميزة تتسلط بها على عباد الله.
أليست تلك دعوة مبطنة للتخلص من رجال الدين كما تخلصت أوروبا من الكنيسة ورجال الكنيسة وعلماء اللاهوت؟
أوروبا لم تتخلص من رجال الدين ولا يزال رجال الكنيسة موجودين من البابا حتى أصغر أسقف. لا زال الدين يدرس والناس يتعبدون ولكن التصرفات الهوجاء التي كان رجال الدين المسيحيين يمارسونها انتهت.
معارضة الوسائل الحديثة
لك محاولات في أكثر من مقال على اعتبار أن هذه الفترة التي نمر بها متماثلة للعصور الوسطى الأوروبية من حيث تحليل التفكير العلمي وعدم القبول بالنظريات العلمية. كيف استطاع المزيني إنزال هذا الحكم؟
كما سبق أن قلت، هناك أمثلة كثيرة تشير إلى التشابه بين الوضعين. خذ الموقف من القضايا العلمية مثلًا. ولنأخذ مثالًا عليها إثبات أوائل الشهور الهجرية التي أصبحت من مبتذلات العلم لوضحها. لكننا لا نزال نشهد معارضة شديدة للأخذ بالوسائل الحديثة في تقرير هذا الأمر البسيط. لقد تجاوز الناس الاهتمام في الغرب بالمسافة البسيطة بين الأرض والقمر إلى ملايين السنوات الضوئية في الفضاء ونحن لا نزال حيارى عند هذه النقطة.
ألا ترى أن واقع المسلمين في كل عصر يفند هذا الزعم الذي زعمته فأكثر الدعاة إلى الله هم من دارسي الكليات التطبيقية وخريجيها؟
أنت تشير إلى ظاهرة مهمة وهي أن كثيرًا من دارسي العلوم التطبيقية من المسلمين يهتمون بـ"الدعوة". أنا أظن أنه أكثر نفعًا للمسلمين لو اهتم هؤلاء بتبيئة هذه العلوم بين المسلمين وشاركوا في الاكتشافات والاختراعات العلمية الحديثة. المسلمون لا يعانون من جهل في الإسلام بل يعانون من جهل بالحياة وبالعلم. لذلك فإن كثيرا ممن تسميهم بـ"الدعاة إلى الله من دارسي الكليات التطبيقية" لا ينتجون علوما تنفع المسلمين، لكنهم ينخرطون في ما تسميه بـ"الدعوة" التي لا يحتاجها المسلمون، خاصة في المملكة.
طرد المتفلسفين
ولماذا لا تستحضر التاريخ الإسلامي وما فيه من إنجازات؟
كنت كتبت مقالًا عن هذه القضية بينت فيه أن رجال الدين المسلمين كانوا في جملتهم ضد العلماء المسلمين العاملين في حقول الطب والعلوم والرياضيات والفلك. ومن الأمثلة على ذلك أن الإمام ابن الصلاح وهو فقيه دمشق في القرن الثامن الهجري هجم على إحدى المدارس الفلسفية في دمشق وطرد المدرس والطلاب منها وقال إن طرد هؤلاء المتفلسفة أولى من طرد الصليبيين من عكا. كان علماء الفلك والرياضيات معزولين. انظر إلى معاجم اللغة العربية التي تكاد تخلو من المصطلحات العلمية التي كانت مستخدمة في الطب والهندسة والفلك والعلوم بعامة.
لا عداوة
لوحظ على مقالك القريب في الوطن احتفائك بالدكتور وليد الرشودي بعد لقائه في إحدى القنوات، فهل هذا تجاوب إيجابي للإيجابية المقابلة منه في تلك الحلقة؟
- ليس لي موقف عدائي من أحد بل أحكم على الناس من خلال ما يقولون وما يفعلون. الدكتور الرشودي ظهر في مواقف إيجابية ومن حقه علي أن أشيد بتلك المواقف. وأنا لا عداوة لي مع أحد.
وهل كانت له مواقف سلبية في اعتقادك؟
أتحدث عن الصورة الإيجابية التي بدا فيها. لكن من المؤكد أنه كانت له مواقف مختلفة قبل هذا البرنامج، وفي الحوار الوطني في الأحساء كانت له مواقف متشددة. لكنه حين ظهر في برنامج "البيان التالي" بعد أيام من لقاء الحوار الوطني في الأحساء قال إن ذلك الحوار أوضح له أن الآخرين الذين يختلفون معه في مواقفه مسلمون وسعوديون وحريصون على الوطن مثل حرصه. وأنا أقدر له أنه صرح بهذه الأشياء ولا ينقص من قدره أن يقول هذا الكلام.
تكثر من ذكر الأدلجة والأيديولوجيا.. فما هي ومن تقصد بها؟
- الأدلجة الدينية تعني تحويل الدين إلى منظومة من الشعارات السياسية الجاهزة التي تحجب المعرفة بتفصيلتها المعقدة.
وهل تنطبق على الإسلام ومعتنقيه المسلمين؟
- هناك مؤدلجون في الأديان والتيارات الفكرية والفلسفية كلها يحولون تلك الأديان والفلسفات والأفكار إلى شعارات سياسية يرددونها ويستخدمونها للهيمنة على الآخرين.
نهاية المعادلة القديمة
وكيف ترى الساحة الشرعية الحالية في الحراك الحالي، ومن اللاعبون المحوريون فيها؟ وهل تنبئ بمخاض مقبل؟
المؤدلجون هم الذين أكتب عنهم لأنهم أساءوا للإسلام. فبدلًا من أن يسع الإسلام الجميع يريدونه أن يكون مقصورًا على قسم من الناس يسمونهم "الإسلاميين" ويخرجون الآخرين منه. هم لا يصرحون بذلك. لكن حين يقول أحدهم إنه مفكر إسلامي فهذا يعني أن "المفكرين" الآخرين ليسوا مسلمين. وهذه هي الحيازات والإقصاء. وكما ذكرت في البداية أصبح بعض الأساتذة في كليات الشريعة والجامعات "الإسلامية" يتحدثون بطرق كان المعهود ألا يستخدمها مختص في الشريعة. انتهت المعادلات القديمة التي كانت تكرر أن المختص في الشريعة لا يتفق مع الليبراليين. أصبح الآن هناك انفتاح للتيارات بعضها على بعض. هناك الآن مختصون في الشريعة يتحدثون في قضايا مثل الاختلاط والغناء وغيرهما من القضايا بطرق لا تختلف عما يقوله عنها من تسميهم بـ"الليبراليين".
انفتاح إعلامي
لك أربعون كتابا مع هذا يقول البعض إن المزيني لم يكتب كتابة صحفية إلا بعد أن شارف الأربعين من عمره..!
الواقع مختلف عن هذا الانطباع. ذلك أني بدأت الكتابة الصحفية منذ 1405هـ. ربما كان مصدر هذا الانطباع أني لم أبدأ الكتابة في قضايا الشأن العام إلا في السنوات العشر الماضية. كنت أكتب قبل هذا في موضوعات تدخل في تخصصي في اللسانيات من خلال ملحق ثقافة اليوم في صحيفة الرياض. وكتبتُ عن بعض القضايا الاجتماعية والثقافية في صحيفة المدينة. ونشرت لي الشرق الأوسط والحياة بعض المقالات والترجمات في هذا الإطار. أما أفكاري عن قضايا الشأن العام المحلية فقديمة، لكن لم يكن هناك مجال للكتابة عنها. وقد بدأت الكتابة في هذا المسار عام 2000م، قبل أحداث 11 سبتمبر. ذلك أن الانفتاح الإعلامي في السنوات القليلة الماضية أتاح لي، ولغيري، مجالا واسعا من الحرية. وكانت صحيفة الوطن رائدة في فتح الباب واسعًا لمناقشة كثير من قضايا التعليم والثقافة والمجتمع واستقطبت كثيرًا من الكُتّاب والمثقفين، وكنت واحدًا من هؤلاء.
تهمة للتدليس
هل تخليت عن تخصصك بحثًا عن الشهرة؟
- أنا لم أتخل عن تخصصي فلا زلت مهتما به. وقد نشرت لي في هذه السنوات نفسها بعض الدراسات العلمية والترجمات فيه. أما تهمة البحث عن الشهرة فهي تهمة تستخدم أداة للتنقص والثبيط، وتستخدم تدليسًا على الناس لصرفهم عن الاهتمام بما يُكتب، ولتشويه مقاصد الناشطين في الاهتمام بالمجال العام. وأنا لا تؤرقني مثل هذه التهم.
لكنك تحولت كثيرًا من التخصص إلى الكتابة الصحفية التصادمية ألا يعتبر ذلك بحثًا منك عن الشهرة التي لم تجد لها سبيلًا في تخصصك؟
لست ملزمًا بأن أثبت أنني مشهور في تخصصي. فهذا حكم يمكن أن يصدره الآخرون عني أو يصدروا ما ينافيه. أما وصف كتاباتي بأنها تصادمية فهذا حكم يصور انطباع من يصدره ولا يصور، حتمًا، تلك الكتابات.
هذا يعني أنك لا تبحث عن الشهرة؟
لماذا الإلحاح على هذه التهمة؟ يجب أن ينظر إلى ما أكتبه بغض النظر عن مقاصدي أنا منه.
حتى ولو كتبت في اللسانيات فلن يعرف المزيني أكثر من أنه مجرد كاتب في صحيفة سيارة مشاكس للتيار الديني والإسلامي؟
- ليس لي قدرة على تغيير انطباعات الناس. الناس أحرار في أن ينظروا لي بالطريقة التي تهديهم إليها معرفتهم بما أكتبه، سواء في اللسانيات أو الكتابة عن قضايا الشأن العام.
لست وحدك من نحا هذا المنحى فهناك عبدالله الغذامي وسعيد السريحي وعبده خال وآخرين تحولوا من الكتابات المختصة إلى الكتابات المجتمعية.. فهل تعتبر ذلك التحول إيجابيًا ويخدم المجتمع؟
الاهتمام بقضايا الشأن العام واجب نؤديه نحو مجتمعنا. ولكي أدلل لك على أهمية الاهتمام بتلك القضايا أورد لك إجابة الناقد السياسي واللساني الأمريكي نعوم تشومسكي حين سئل عن العلاقة بين تنظيراته الرائدة في اللسانيات واهتمامه بالقضايا السياسية التي كتب فيها مئات الكتب والمقالات وألقى عنها آلاف المحاضرات. وكانت إجابته أن العلاقة بين النشاطين ربما كانت سيئة لأن الكتابة في اللسانيات شغلتْه عن الانغماس الكلي في الكتابة والمحاضرة عن قضايا الشأن العام.
ويقارن تشومسكي دائمًا بين الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل، وهو معجب به كثيرًا، وعالم الفيزياء المشهور ألبرت إنشتاين. وكان يُفضل راسل لاهتمامه بقضايا الشأن العام في مقابل نقده إهمالَ إنشتاين الذي يكاد يكون كليا لتلك القضايا. ومن هنا فالكتابة عن قضايا الشأن العام ليست ترفا وليست وسيلة للهروب من التخصص العلمي الدقيق.
تفنيد علم اللسانيات
كثيرًا ما تذكر مصطلح اللسانيات فماذا تقصد بعلم اللسانيات؟
اللسانيات مصطلح يعني دراسة اللغة دراسة علمية. وهو لفظ عربي موجود في المصادر العربية القديمة. وأظن أنني أول من أشار إلى وجوده في مقدمة المعجم العربي المشهور "المحكم" لابن سيدة. وهو مصطلح أُقرَّ في مؤتمر لغوي مهم عُقد في تونس سنة 1978م.
وهل هو مرادف لفقه اللغة؟
فقه اللغة بمفهومه القديم مختلف لأنه يهتم بالمعجم والمفردات في المقام الأول. أما مصطلح اللسانيات الآن فيعني دراسة أنظمة اللغة كلها، ويشمل ذلك دراسة النظام الصوتي والنظام الصواتي والنظام الصرفي والنظام النحوي والنظام الدلالي، وغيرها من الأنظمة التي تحكم اللغة الإنسانية.
ذكرت أنه موجود في معاجم اللغة العربية؟
نعم مصطلح "اللسانيات" موجود في مقدمة معجم المحكم. ومع ذلك كان هناك 24 مصطلحا تقريبا في اللغة العربية الحديثة مقابل مصطلح linguistics. وكان المختصون المصريون يستخدمون، ولا يزالون، مصطلح "علم اللغة العام" ويستخدم كثير من المشارقة مصطلح "الألسنية" أو "الألسنيات".
موت النحو
البعض يتساءل ويقول هل افتقرت العربية لعلماء النحو التوليدي؟
- هذا سؤال يدل على أن موضوع اللسانيات لا يزال غير مفهوم. اللسانيات علم حديث له أسسه العلمية الواضحة ولا يقتصر تناوله على لغة بعينها. ويمكن أن تتناول اللغة العربية في إطار تنظيرات هذا العلم، وقد أسهمتْ في إغناء تلك التنظيرات حين درسها بعض المختصين. بل إن اللسانيات كما تبحث ويكتب عنها في الغرب ليست غريبة عن مشابهة مشروع سيبويه، وتكمن المشكلة في أن النحويين جمدوا بعد سيبويه وأسهموا في إماتة ذلك المشروع الذي كان يمكن - لو طوِّر - أن يكون رائدا على مستوى تاريخ الدراسة اللغوية في العالم. وكنت كتبت مقالًا بعنوان (موت النحو) لاحظت فيه أن النحو بعد سيبويه لم يتطور بل توقف عند الحدود التي رسمها ذلك العالم الفذ.
تنظيرات تشومسكي
كثيرًا ما تستدل بمقولات نعوم تشومسكي وغيره من علماء اللغة الغربيين.. ألا يوجد بين المرجعيات العربية والإسلامية من يمكن الاستدلال به؟
- تنظيرات تشومسكي ليست وقفًا على اللغات الغربية. وهي تنظيرات غنية ويمكن - كما أشرتُ من قبل - استخدامها في دراسة اللغة العربية، كما استخدمتْ في دراسة لغات كثيرة جدًّا غير غربية. ويكاد النموذج التنظيري السائد في العالم الآن هو النموذج العلمي الذي بدأه تشومسكي في أواسط القرن العشرين. وهو يزداد غنى دائما نتيجة لتطور الدراسات اللسانية للغات الإنسانية ويزداد عمقًا. ولا يمكن في مثل اللسانيات أن نبحث عن "مرجعيات عربية وإسلامية"، ذلك أن علم اللغة الآن لا يرتبط بلغة معينة.
لا حرج
بعض طلابك يقولون عنك بأنك متذمر من كل ما تراه منهم عندما كانوا يدرسون عندك، ومتذمر من كل شيء، وأنك تبالغ في تكرار ذكرك لتشومسكي؟
هم أحرار في أن يقولوا ما يرونه عني ولا أجد حرجًا في ذلك. أما تكراري لاسم نعوم تشومسكي أثناء تدريسي لأية مادة من مواد اللسانيات في برنامج قسم اللغة العربية فطبيعي. ويعود هذا إلى أن أي دارس للغة لابد أن يعرض لتنظيرات مدرسة تشومسكي، سواء اتفق معها أو اختلف. لذلك فتكرار اسم تشومسكي في درس لغوي أمر طبيعي وينبغي ألا يكون لافتًا للنظر.
يقول بعض طلابك أنك تتظاهر أمام الناس بوجه غير الذي تقابل فيه تلاميذك حيث التعنت والصلف معهم، كيف ترد على هذا التهمة؟
أنت الآن تأتي بتهمة أخرى! أنا لا أزكي نفسي، وهم -إن صحت الرواية عنهم- مسؤولون عما قالوا.
ولكن لماذا يتهموك بهذا؟
اسألهم هم. لا أستطيع الحكم على نفسي.

خيارات الحفظ والمشاركة أرسل إلى تويترأرسل إلى فيس بوكأرسل إلى جوجلحفظ PDFنسخة للطباعةأرسل على البريدQrCode

خيارات عرض التعليق

إختيار الطريقة التي تفضلها لعرض التعليقات، ثم اضغط على "حفظ الإعدادات" لتفعل التغيرات.
4

ان لا مع ولا ضد
ولكن ارجو من الاخوان التعليق من امر الواقع وليس بداعي الاسلام كلنا مسلمون وكلنا نعرف واجباتنا ولكن انامع عدم اغلاق المحلات بسب الى وهوا عناك الكثير اللا من رحم ربي يقفلون المحلات ويتجمعون في المناطق الضيقه او المناطق الخلفيه واقفالها قبل الصلاه بساعه وفتحها بعد الصلاه بساعه
هل نحن مسلمين بالاسم ام بالفعل
ياناس ياعالم الى متى ونحن خلف القناع

3

والله انك صادق يا عبدالله الفارس من عافاه الله من هذا الفكر يحمد الله ( يا رب لك الحمد )يعني قضيتنا إغلاق المحلات وقت الصلاة ويا ترى هل أحد يترك محله مفتوح ويروح يصلي ؟
وياترى هل هناك عاقل يحب يسترزق ربه ويجلس فاتح دكانه والناس يصلون؟
فإما أنه يصلي في وقت الزبائن موجودين فيه(يعني ماهم يصلون في المسجد) وفي هذه الحالة هو غبي
أو أنه ما يصلي ففي هذي الحالة مصيبته أعظم من كسب هالدنيا
تحـــــــــــــــــــــــــــــياتي

2

إنا لله وإنا إلية راجعون لا حول والا قوة إلا بالله يعني يقول ليش تقولون هذا حلال وهذا حرام ( خلو الدرعا ترعا ) انا استغرب إش المزعله إن المسلمين يغلقون دكاكينهم في وقت الصلاة ويذهبون للمسجد اليس اصحاب الدكاكين مسلمين يهتمون بالصلاة وإذا سمعوا النداء وجب عليهم اغلاق المحلات والذهاب الى الصلاة
يعني كون صاحب الدكان اذا سمع الندا واغلق دكانه او امر باغلاق الدكان يعتبرها المزيني جريمة لكن لو سمع صاحب الدكان الاذان ورفع صوت االمسجل بإغنية فهذا الامر طبيعي .
لكن يا اخوان من عافاه الله من هذه الفكر فل يحمد الله .

1

اللهم يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك

أخبار الساعة

             
حول المؤسسة   الإدارة والتحرير   إصدارات المؤسسة   الاشتراكات الورقية   استوديو المدينة   أندرويد   آيباد وآيفون   تواصل معنا