شاركنا الآن .... هل تقوم بالفحص الطبي الشامل بشكل دوري للتأكد من خلوك من الأمراض؟

هدم الآثار

د. لطف الله خوجة
الجمعة 05/04/2013
هدم الآثار

الآثار المكانية – غير الأصنام والأوثان – ثلاثة أنواع: ما تعلق بالأنبياء، أو بالصالحين، أو بالعموم. وعلة العناية إما للتبرك بها والتعبد عندها، أو للتاريخ والعبرة. فالتي للعموم هي للعبرة والتاريخ قطعا، والتي للأنبياء والصالحين هي للعبرة والتاريخ، كذلك تحتمل التبرك والتعبد، والتي للأنبياء أوفرهما حظا من هذا المحذور. هذه هي أحوال الآثار من جهة التبرك. وعليه: فما كان للعموم فلا ينبغي الخلاف على تركها والحفاظ عليها، فلا خشية منها، فما هي إلا عبرة وتاريخ يحكى يفيد في معرفة أخبار من مضى، وهو التراث المحسوس يقابله التراث المكتوب، كلاهما مهم. أما الآخرتان فخشية التبرك واردة، فقد يكون هذا مسوغا لهدمها تخلصا من جرثومة البدعة والشرك، غير أن الذي يسوق إلى الحكم: النصوص الشرعية. ولا نجد فيها أمرًا بهدم للآثار، لا في المحكمات ولا المتشابهات الظنيات، فقد خلي الحكم من الدليل النصي، فلجأنا إلى الصحابة فوجدنا بينهم خلافا لا باطن له، فأخرج بن أبي شيبة وابن سعد عن نافع: "بلغ عمر بن الخطاب أن أناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فأمر بها فقطعت". لكنه معارض بأمور، منها: أنه منقطع، فإن نافع لم يلق عمر. وفي البخاري: عن نافع عن ابن عمر: "رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله". وفيه عن ابن المسيب عن أبيه: "لقد رأيت الشجرة، ثم أنسيتها بعد فلم أعرفها". فقد خفيت على الصحابة، فهذا الدليل الوحيد في الهدم فيه ما رأينا. ثم لو عرضنا لمواقف الصحابة، وجدنا أن منهم الذي يعتني بالآثار النبوية كابن عمر وحاله مشهور، ولا يعرف عنهم تتبعهم إياها بالهدم، مع معرفة أعيانها أكثر ممن بعدهم، وإلا ما بقي غار حراء ولا ثور، والمظنون به قصدهما من قبل كثير ممن لم تكتحل عيناه برؤية النبي، فلو قال قائل: إن مذهب القرون المفضلة الإبقاء على الآثار. ما أصاب إلا الحقيقة، وقد كان لأئمة التابعين بالمدينة ومنهم ابن المسيب موقفا موحدا معارضا لهدم حجر أزواج النبي، معللين بـ:أنها عبرة وعظة للغريب والزائر أن يرى حياة النبي كيف كانت، فيقتدي به ويزهد في الدنيا. وكان أعظم حزن دخل على أهل المدينة بعد وفاة النبي حين شرع الفعلة في الهدم، حيث صاح أشراف الناس وعوامهم وكثر عويلهم، مما دل على أن صونها مما استقر وثبت عندهم، ولو فرضنا صحة أثر عمر، فحادثة عين ربما كان لها ظرفها وعلتها الموجبة، وكانت بأمر من الخليفة، ثم إنه لم تتكرر منه ولا الخلفاء الأربعة مع غيرها من الآثار الموجودة. لكل ما سبق، فالراجح إبقاء الآثار القديمة على حالها، وما يخشى من انحراف فيعالج بالتعليم، فقطع عروق الشرك من القلوب قبل قطعها من الأرض أحسن، والنبي عليه السلام لم يهدم الأصنام - التي لا خلاف في مشروعية كسرها وطمسها لقوله: (لا تدع تمثالا إلا طمسته) - إلا بعد عشرين سنة من التعليم، فما كان أسرع سقوطها وهو ينخسها بعصا في يده، ويقول: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}. كذا هو المنهج النبوي ومن سلف؛ لذا لم يؤثر في تاريخ أهل السنة تتبع الآثار بالهدم، وإلا ما بقيت حتى اليوم، فمن اتخذ منهج السلف طريقة، فلا يسعه إلا أن يسلم بهذه النتيجة.

خيارات الحفظ والمشاركة أرسل إلى تويترأرسل إلى فيس بوكأرسل إلى جوجلحفظ PDFنسخة للطباعةأرسل على البريدQrCode
أخبار الساعة

             
حول المؤسسة   الإدارة والتحرير   إصدارات المؤسسة   الاشتراكات الورقية   استوديو المدينة   أندرويد   آيباد وآيفون   تواصل معنا