شاركنا الآن .... هل تقوم بالفحص الطبي الشامل بشكل دوري للتأكد من خلوك من الأمراض؟

“التقريب” بين المذاهب الإسلامية.. كيف؟!

بعد عقود من التحاور ومحاولات التقارب

غازي كشميم - جدة
الجمعة 15/11/2013
“التقريب” بين المذاهب الإسلامية.. كيف؟!

بدأت فكرة التقارب بين المذاهب الإسلامية والعقدية منذ أربعينيات القرن الماضي، بمبادرة من الأزهر الشريف والحوزة العلمية في قم، وبعد ما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية وحتى هذه اللحظة من صراعات طائفية واضطرابات مذهبية، وتراجع بعض الرموز عن فكرة التقارب خاصة بين أكبر طائفتين في الأمة الإسلامية السنة والشيعة، بات سؤال مصير التقريب ملحًا؛ فإلى أي مدى نجحت فكرة التقريب بين المذاهب والطوائف الإسلامية؟ وما البدائل المطروحة في حالة فشلت فكرة التقريب؟ «الرسالة» طرحت هذه الأسئلة على مجموعة من المهتمين والمتخصصين في سياق التحقيق التالي:
الانتصار للذات
أمّا أستاذ الإعلام بجامعة الإمام الدكتور عبدالله المحمود فقال إن كل ما بذل ويبذل في هذا الموضوع بين المذاهب والعقائد والأفكار بشكل عام هو مبني على باطل وما بني على باطل فهو باطل، ويعلل المحمود ذلك بأنه من غير الممكن أن تقرب بين منظومات مختلفة ومتباينة في الأصول، وطرح المحمود مبدأ وقاعدة أخرى يمكن أن تبنى عليها العلاقة وهي مبدأ «لكم دينكم ولي دين»، وأوضح المحمود أن علينا تشكيل ثقافة شخصية لكل أفراد المجتمع بأن كل شخص بالغ وقادر وعاقل له حق الاختيار فيما يعتقده ويراه، وتدار شؤون الحياة بما يجمع عليه المسلمون في كل قطر أو بلد، وبالتالي تنعزل كل الأفكار والعقائد عن إدارة الآخرين في الحياة إلا من خلال ما يتراضونه كأسلوب حياة، وعندها يمكن أن نتقارب تلقائيًا، وأشار المحمود إلى أن طبيعة الصراع بين الأفكار والعقائد هو محاولة فرض سيادة مذهب ما على الآخرين، وحين يتم ذلك تبدأ الطوائف والعقائد الأخرى بالمطالبة بحقها في إدارة شؤون حياتها من خلال مذهبها أو أفكارها وبالتالي نبقى في دائرة الصراع. وأشار المحمود إلى أن فكرة التقريب قد تستخدم لأغراض بريئة لكنها لن تحقق الهدف منها لذلك السبب، بالإضافة إلى أنها قد تستغل في كسب الوقت أو إضاعته وتفويت الفرص على المذاهب والفرق الأخرى المخالفة. ويؤكد المحمود أنه حتى تنجح فكرة التقارب لا بد من تحييد الجانب الفكري والعقدي عن التحكم في شؤون الحياة، ولا يعني هذا أن نقصي الدين عن إدارة الحياة، وإنما المقصود أن الأنظمة والقوانين هي التي تحكم الناس وليس المذاهب.
ويشير المحمود إلى إشكالية أخرى تكتنف التقريب أو الحوار بين أهل المذاهب وهي الرغبة في الانتصار للذات من كل طرف، والدليل أن كثيرًا من الحوارات التي تدار لا تنتهي إلى التراضي وإنما كل طرف يحمل معه نفسية إما أن يكسب الرهان أو يخسره، موضحًا أن هذه ثقافة كارثية إذ إننا ندخل في حوارات مع الآخر وأعيننا أن نربح هذه الجولة من الحوار بإثبات أن ما لدينا من فكر ومذهب ورؤية هي الحقيقة المطلقة في مقابل ذلك المخالف. وأشار المحمود إلى أن معنى التقارب هو أن هناك حقيقة مجردة سائلة لا يعرفها أي مذهب وبالتالي يتناقشون ويتحاورن في سبيل الوصول إلى هذه الحقيقة بمنطق «أنى وجدها فهو أحق بها»، بينما ما هو حاصل بين المذاهب هو أن كل طرف منهم يظن أنه يمتلك الحقيقة والحكمة وعلى الآخر أن ينصاع له. ويؤكد المحمود على أهمية إلغاء ثقافة التميز أو الحق المطلق لأي مذهب أو فكرة، وأن يصبح الانتماء المذهبي حق شخصي ليس له أي قيمة مجتمعية أو سياسية، مشيرًا إلى أنه في حالة تمكن أهل المذاهب أو العقائد في إدارة شؤون الحياة المختلفة لا يمكن أن يكون هناك تقارب على الإطلاق، وإنما فرض المنهجية والمدرسة الطائفية، وسيادة المذهب على الآخرين. لذلك فالحل هو في تحييد الأفكار والمذاهب. داعيًا إلى ابتكار آلية للتعايش السلمي تقوم على أساس أن لكل فرد الحق في الاعتقاد، وتبتعد عن تمييز إحدى فئاتها وعندها سنجد أنفسنا في بيئة تحترم التعايش بين جميع أفرادها لأن حينها لن يكون هناك ما يؤجج الصراع بين أفراد المجتمع، أمّا إدارة شؤون الحياة وما تكتنفها من أفكار ستكون عبر آليات تظهر إجماع الأمة واتفاقها عليه.

استمرار الحوار
من جانبه أكد الأستاذ المشارك بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور هاني عبدالشكور على أهمية استمرار الحوار مع كل الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية لأن هذا مطلب شرعي كما قال تعالى: «وجادلهم بالتي هي أحسن»، لكن عبدالشكور يرى أن فكرة التقريب بين المذاهب والطوائف الإسلامية لم تنجح رغم قدمها، والسبب في ذلك يعود من وجهة نظر عبدالشكور إلى التأزيم الداخلي والتأزيم الخارجي، موضحًا أن التأزيم الداخلي يمارسه أبناء الطائفتين أنفسهما، وتأزيم خارجي يغذيه أعداء الأمة الذين يهمهم توسيع الهوة بين الجانبين لإشغالهم عن قضاياهم الأساسية. وأشار عبدالشكور إلى أن هناك طوائف يمكن التقريب بينها وهناك طوائف لا يمكن التقريب بينها لاختلاف الأصول اختلافًا كبيرًا وامتداده تاريخيًّا، مبينًا أن أهل السنة والجماعة على مدار تاريخهم يقبلون بالمخالف ويتحاورن مع الآخر، ولم يعرف عن الدولة الإسلامية في التاريخ أنها أساءت للمخالف إلاّ إذا تعدّى، كما طلب أصحاب الإمام علي -رضي الله عنه- أن يقاتل الخوارج فقال لا حتى يبدؤوا هم القتال، لذلك لم يعرف عن الدولة الإسلامية الاعتداء على المخالف ما لم يكن هناك تعدٍّ. وأوضح عبدالشكور أن هناك أصولًا كثيرة تجعلنا نتعايش بدلًا من أن نتقارب مثل التاريخ المشترك وأصل الإسلام مشددًا على ضرورة الحوار الذي يعتبر تمهيدًا للتقارب فيما بعد، وبين عبدالشكور أن الله ذكر الصابئة، وأهل الذمة في القرآن، ثم ذكر أن الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون مشيرًا إلى وجود هذه الفرق والطوائف في كثير من البلدان الإسلامية منذ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا.
وأكد عبدالشكور على أن أصل الخلافات ونشوئها بين الطوائف الإسلامية سياسية في الأساس وذلك عندما اختلفوا على أحقية الخلافة بين الصحابة ومع مرور الزمن وعوامل أخرى تحولت هذه الخلافات تدريجيًا إلى خلافات دينية ثم عقدية. وطالب عبدالشكور العقلاء في كل الطوائف أن يتجردوا عن الهوى والعصبية في حواراتهم.

تحفيز التعايش
وفي ذات السياق قال عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات الإسلامية والعربية، بجامعة الملك فهد الدكتور خالد المزيني إن هناك محاولات تقريب بين أصول هذه الطوائف الإسلامية أو بين خياراتها الفقهية؛ موضحًا أن التقارب في الأصول فشل لأن هناك اختلافات جذرية وكبيرة، وأضاف المزيني أن هناك سببًا آخر لعدم نجاح هذا التقريب وهو التسييس المذهبي خاصة بعد الثورة الإيرانية؛ إذ أصبح هناك مشروع إيراني يهدف لتصدير الأفكار الشيعية بصبغتها الإيرانية. وأكد المزيني على ضرورة استمرار اتجاه تحفيز التعايش بين أبناء الوطن الواحد والمحافظة على رباط المواطنة في إطار الشريعة والمصالح العليا للوطن. وأشار المزيني إلى أنه لا يوجد ما يمنع من هذا التعايش خاصة و أن الجميع متضرر في حالة وجود احتقانات طائفية أو نزاعات مذهبية. وأشار المزيني إلى أن أهل السنة في كل منطقة لهم القدرة على اتخاذ قراراتهم في التعايش دون الرجوع إلى مرجعيات إقليمية بعكس المذهب الشيعي الذي لديه قابلية لجر الأوضاع إلى فتنة بسبب خيارات خارجية تراها المراجع الدينية، مقللًا من تأثير التطرف والتشدد في كلا الجانبين في تأجيج الصراع بين السنة والشيعة. وأكد المزيني على وجود عقلاء في كل طائفة لديهم الرغبة في التعايش والحوار مشيرًا إلى أن أهل السنة ليست لديهم مشكلة في التعايش مع المخالف منذ قديم الزمان، وألمح المزيني إلى أن التشدد في الجانب السني هو حالة استثنائية بخلاف الجانب الصفوي الذي أصبح يسيس الشعائر الدينية خاصة في مظاهر عزاءات الأئمة والتي ترفع فيها شعارات تعبوية وتهديدات للسنة. وعن خطابات الحشد والتجييش في خطاب السنة ضد الشيعة قال المزيني إنها غالبًا ما تكون ردات فعل وليست شعائر تمارس فيها طقوس وترفع فيها شعارات استعداء أو طلب ثأر وانتقام. وأضاف المزيني إلى أن الخط المتشدد في جانب السنة لا يظهر في القنوات الرسمية والعامة. مطالبًا الشيعة بالتحول من مظاهر الاستعداء والتعبئة إلى مظاهر التدين العامة المسالمة كما طالب بالوقوف أمام المتشددين من السنة الذين يعلنون مواقف عدائية تجاه الآخر.

خيارات الحفظ والمشاركة أرسل إلى تويترأرسل إلى فيس بوكأرسل إلى جوجلحفظ PDFنسخة للطباعةأرسل على البريدQrCode
أخبار الساعة

             
حول المؤسسة   الإدارة والتحرير   إصدارات المؤسسة   الاشتراكات الورقية   استوديو المدينة   أندرويد   آيباد وآيفون   تواصل معنا