٠٧ جمادى الأول ١٤٢٩ - الموافق: ١٢ مايو ٢٠٠٨

هل ارتبك الساحر الإيراني في العراق؟!

الجمعة, 9 مايو 2008
ياسر الزعاترة

الهجمة على التيار الصدري هي في واقع الحال جزء لا يتجزأ من محاصرة النفوذ الإيراني ، الأمر الذي سترد عليه طهران بالمزيد من تصعيد الفوضى

لا خلاف على أن الاحتلال الأمريكي للعراق قد وضع الحبّ في طاحونة إيران كما لم يتوقع المحافظون الجدد، وربما كما لم يتوقع الإيرانيون أنفسهم الذين ربما أحسنوا الظن بالذكاء الأمريكي، بينما تكشفت سياساتهم، لاسيما خلال الأعوام الثلاثة الأولى عن غباء كبير وجهل استثنائي بواقع البلد وتناقضاته.

منذ الأيام الأولى للاحتلال تدفق الإيرانيون إلى داخل العراق مستغلين حالة الفوضى التي عاشها البلد، وقد تم ذلك مباشرة عبر مخابراتهم وإرسالياتهم، بينما تم بشكل غير مباشر من خلال العناصر العراقية التي كانت تعيش وتتدرب وتموّل من قبل الدوائر الإيرانية. هكذا اكتشفت واشنطن شيئاً فشيئاً أن نفوذ الإيرانيين في البلد الذي تحتله قد غدا أكثر من نفوذها رغم وجود أكثر من 140 ألف جندي أمريكي، ولم يكن أمامها تبعاً لذلك سوى التعامل مع الجهات التي ترتبط مباشرة بالدوائر الإيرانية، لاسيما الطرف الذي تصدّر المشهد السياسي الشيعي، أعني المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية برئاسة محمد باقر الحكيم ، وتالياً شقيقه عبد العزيز.

كل ذلك معروف إلى حد كبير، وما يعنينا الآن هو بداية تراجع مفعول السحر الإيراني في العراق كما تبدى خلال الأسابيع الأخيرة إثر الهجمة الشرسة على التيار الصدري التي لم تنته فصولها بعد، وفي ضوء انتقادات المالكي والمحيطين، فضلاً عن دوائر المجلس الأعلى للتدخلات الإيرانية، مع أن هذا الأخير منتج إيراني بالكامل خرج إلى العلن في العام 1980.

معلوم أن السيد مقتدى الصدر يعيش هذه الأيام في (قمْ) بهدف استكمال ما يعرف ببحث الخارج الذي يؤهله للحصول على مرتبة الاجتهاد، وقبل أسابيع عندما التقاه غسان بن جدو (الجزيرة) على خلفية المعارك مع الجيش والأجهزة الأمنية العراقية، تم اللقاء في إيران. وإذا كان بالإمكان وضع انتقادات التيار الصدري لإيران في دائرة تبرئة النفس من تهمة تنفيذ الأجندة الإيرانية التي يرددها خصومه، فإن انتقادات المالكي الذي كان مقرباً من طهران، إلى جانب رموز المجلس الأعلى ينبغي أن تستوقف المراقب إذا كان بصدد قراءة التحولات السياسية على الأرض.

وقد كان لافتاً أن يلتقي كلام رايس عن عروبة العراق، إلى جانب حث العرب على مد يد العون للعراق إذا أرادوا مواجهة النفوذ الإيراني، أن يلتقي مع كلام قريب للمالكي وآخرين حول العروبة التي لا تعني الكثير بالنسبة إليهم. كل ذلك يشير إلى أن عصبة المالكي والقوى الشيعية المنضوية في العملية السياسية قد تعبت من لعبة إبقائها رهينة العلاقة المتأزمة بين طهران وواشنطن، وقررت تبعاً لذلك اختيار مصالحها التي تراها في تفاهم بعيد المدى مع واشنطن، حتى لو انطوى على تشريع لوجودها العسكري طويل المدى في البلاد، الأمر الذي ترفضه إيران الخائفة من قواعد أمريكية جديدة تضاف إلى الأخرى التي تحاصرها من كل الجوانب، لاسيما أن هواجس الضربة العسكرية ما زالت قائمة إلى الآن، وستبقى كذلك حتى لو لم ينفذها بوش قبل رحيله عن البيت الأبيض.

هذه الهجمة على التيار الصدري هي في واقع الحال جزء لا يتجزأ من محاصرة النفوذ الإيراني، الأمر الذي سترد عليه طهران بالمزيد من تصعيد الفوضى كي لا يستقر الوضع لحساب الأمريكان بما يشجعهم على مهاجمتها. في ذات السياق لن تمرر إيران بسهولة إدارة المالكي وحلفاؤه ظهورهم لها، فهي قادرة بما لديها من اختراقات في أوساطهم وفي عموم المشهد العراقي على إرباكهم وإرباك الوضع برمته، في حين لن تسمح بالقضاء على التيار الصدري الذي يشكل رصيداً حيوياً لها في مواجهة التهديدات الأمريكية.

كل ذلك لا يغير في حقيقة أن إيران لم تكن لتنجح إلى ما لا نهاية في لعبة جمع المتناقضات، وكان لابد أن يشرع سحرها في فقدان تأثيره بالتدريج، وهو ما بدأ بالفعل على ما يبدو.

بمعدل: 5 (!صوت)

أضف تعليق

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق