الكراسي العلمية والدور الحكومي
يحسن أن ندرج في ميزانية كل وزارة ما يتصل بتمويل مثل تلك الكراسي، فهي تسعى إلى تطوير الجهات الحكومية والنهوض بالمناخ العلمي والبحثي في الجامعات.
تناولت في الأسبوع الماضي موضوع الوقف وناشدت الموسرين المعنيين بانشاء صناديق وقفية النظر في إنشاء صندوق وقفي يقوم بمهمة تمويل دراسة الطلاب والطالبات ممن قعدت بهم درجاتهم العلمية أو قدرتهم المادية على اللحاق بركب الانتظام المدفوع الثمن أو التعليم الموازي ومثلت لذلك بالطلاب والطالبات من امهات سعوديات وآباء غير سعوديين.
ولازلت أكرر بأنه موضوع في غاية الأهمية وذروة الإنسانية وعظم أجره يتلخص في بناء ذات إنسانية فاعلة وحماية وأمان للمستقبل بالنسبة لهم ولنا لكيان وطني ينشد الاستقرار والنهوض والمضي في درب التطور والازدهار ومن منطلق الوقفيات أعرّج على ذكر الكراسي العلمية الجامعية باعتبارها مظهراً من مظاهر الجمع بين الوقفية الدينية والتطور العلمي الحضاري. لذلك سررت بأن تعلن جامعة الملك سعود عن دفعة من الكراسي العلمية في احتفالية واحدة بلغت تسعة عشر كرسياً ليصل مجموع الكراسي العلمية في جامعة الرياض ستين كرسياً، وشخصية اقتصادية أشادت بها وسائل الإعلام قامت منفردة بالتبرع بإنشاء أربعة كراسٍ علمية هي لرجل الأعمال الدكتور ناصر الرشيد.
وللتعريف بالكراسي العلمية فهي تقوم على محض الفكرة العلمية فحين يتبرع شخصية اعتبارية أو مؤسسة أو جهة مالية لأحد الكراسي العلمية فإن الجامعة تتولى بقية المهام العلمية بالكرسي فحينما تبرع الدكتور ناصر الرشيد بكرسي لمرضى القلب فهذا يعني أن تتم جملة من الابحاث والدراسات ضمن اطار ذلك الكرسي لخدمة أمراض القلب.. مسبباته وعلاجه وغير ذلك مما يتعلق بالنواحي الطبية لأمراض القلب.
والملاحظ أن الجهات المالية والمصرفية تقوم بتمويل مشاريع الكراسي العلمية في كليات الاقتصاد والإدارة وما شاكلها لتجانس طبيعة تلك الدراسات والابحاث مع طبيعة عمل البنوك والمؤسسات المالية. بينما قام بعض رجال الاعمال ممن لهم جذور أكاديمية مثل الدكتور ناصر الشريد بتمويل كراسيٍ علمية وبعضهم ركز على الجامعات التي تخرّج منها وفاء لهذه الجامعات ورداً لجميل قد اكتسبوه ابان دراستهم وكل ذلك مناط الحمد والثناء فبعض من تخرج لا يتذكر الجامعة التي درس بين احضانها واكتسب علومه ومعارفه في قاعاتها ومن اساتذتها.
لذلك نلحظ هذه الظاهرة في بلاد الغرب خاصة حينما يقوم بعض الاثرياء يتذكر جامعاتهم في مشاريع خيرية وهبات وتبرعات والكراسي العلمية احدى صور التذكر والاسهام. واذا كان التحرك الاعلامي مثل اهمية قصوى بالنسبة للجامعات للتعريف بالكراسي العلمية واهدافها واهميتها اذ نكتشف ان بعض الشخصيات لا تلم بطبيعة الكراسي العلمية وبعضها لا يعلم بوجودها في جامعات محددة. لذلك فان اولى الخطوات تتمثل في الحملة الاعلامية للتعريف بالكراسي العلمية واهميتها ودورها العلمي والاكاديمي ثم وجودها او احتمالية قيامها في جامعات معينة.
وبقيت مسألة في غاية الأهمية فاذا كنا نثني على بعض الشخصيات الاقتصادية لإسهامها في إنشاء كراسٍ علمية ونناشد شخصيات اخرى للاسهام في إنشاء كراس علمية فاننا ندعو الجهات الحكومية المختلفة إلى أن تسهم بدور ملموس في تمويل بعض الكراسي العلمية في الجامعات.
وللعلم فإن قيمة الكرسي العلمي أو قيمة تمويله تبلغ مليون ريال سنوياً لمدة تبلغ خمس سنوات فإذا كانت بعض الوزارات قد قامت بإنشاء واصدار مجلات ثقافية وعلمية لنقل تجربة الوزارة والتعريف بانجازاتها وما يتصل بدورها ومهامها وهو أمر حميد دون شك فان قيام كل وزارة بتمويل أكثر من كرسي علمي تفوق أهمية اصدار المجلات والنشرات.
ولايضاح ذلك فان قيام وزارة التربية والتعليم على سبيل المثال بتمويل كرسي بحتي لدراسة المناهج التعليمية سيسهم في تبصير الوزارة بنقاط القوة والضعف في تلك المناهج ويسهم في تطوير المناهج وفق أحدث الأساليب التربوية كما أن الجامعة جهة علمية محايدة وتفوق في دراستها مستوى اللجان التي تشكلها الوزارة لدراسة المناهج لما قد يشوبها من نزعة عاطفية تميل إلى ترجيح كفة الوزارة دون أن تقدم الصورة العلمية المحايدة والمجّردة وهو ما قد تسهم الكراسي العلمية به لأن هدفها الوحيد تقديم الحقيقة العلمية المجردة وتدع للوزارة مسؤولية اتخاذ القرارات.
والقول ذاته ينسحب على وزارة الصحة في إناطة مسؤولية، دراسة الامراض وفق استيطانها وبزوغها مثل حمى الضنك والوادي المتصدع أو التراخوما وغير ذلك كما أن قيام وزارة البترول بانشاء كراس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن تتصل بابحاث التنقيب والتكرير او في الكليات الأخرى لدراسة التسويق والمحاسبة قد يسهم في تطوير كثير من الجوانب التي تحتاجها كل وزارة على حدة لتطوير اداتها وتحسين مرافقها والارتقاء بمسؤوليتها دون أن تتحمل أعباء ذلك سوى التمويل للجهة العلمية الأكاديمية.
لذلك يحسن أن ندرج مستقبلاً في ميزانية كل وزارة ما يتصل بتحويل مثل تلك الكراسي لكل وزارة فهي تسعى إلى تطوير الجهات الحكومية والنهوض بالمناخ العلمي والبحثي في الجامعات ونحن نتوق الا أن نرى جامعاتنا خلايا نحل تعج بالحركة البحثية والمعطيات العلمية لكي يلعق الوطن شهد المعرفة.











أضف تعليق