الأَرْبعاء ٠٦ رجب ١٤٢٩ - الموافق: ٠٩ يوليه ٢٠٠٨

حكاية «الـعَـلمانـيـة» وقطعة القماش!!


الثلاثاء, 20 مايو 2008
د. خضر الشيباني

(الرؤية العَلمانية) المنبثقة عن تجربة أوروبية بحتة تواجه نقداً داخلياً عنيفاً في أدبيات (الفكر الغربي)، ولكن (الانبهار الطفولي) بهذا المصطلح لدى علمانيي العالم الإسلامي لم يسمح لهم بالتأمل الموضوعي للقضية.
من المضحك المبكي أن نشهد العجب العجاب من أنماط التخبط الفكري والمفارقات الهوجاء في زمن (العقلنة والعلم)؛ فترتجف جنبات الدولة، وتنهار أركانها، وترتعد فرائص رجالاتها ليتسابقوا إلى معمعة النزال وساحات الصراع لأن الكيان كله، والدولة بأسرها، والحياة بمقدّراتها، يهدّدها قرار فتاة مسلمة رأت أن تحتشم في زيّها، وتخضع لأمر ربها فغطّت شعرها بقطعة من قماش، ومن المضحك المبكي أن يصرّ بعضهم على أن تكون هذه القطعة النسيجية بمواصفات خاصّة؛ فاشترطوا أن تكون ربطة هذه القطعة (الخطيرة!) تحت الحنك مباشرة، ولا يجوز بحال أن تتدلّى لتغطّي الصدر ومساحات الكتف، وحتى عندما أقرّ (البرلمان التركي) تلك المواصفات الغريبة، ووافق لمرتدياتها دخول فناء الجامعات، لم يكن ذلك مرضياً لسدنة (العَلمانية الأتاتوركية) فركضوا إلى (المحكمة الدستورية) ينعون علمانيتهم التي تنقضّ عليها قطعة القماش، ويتباكون على إرث ثمانين عاماً من (الكمالية الأتاتوركية) التي تخطّط هذه القطعة (الآثمة!) لزواله!.
من الضروري أن نذكر أوّلاً أن لا علاقة لمصطلح (العَلمانية) بالعلم، ولا نسب بينهما ولا قرابة من دم أو رضاعة، ولذا فإن الخطأ الشائع بنطق هذا المصطلح بكسر العين يمنح المصطلح بعض المصداقية والمتانة، فالعلم اليوم هو سيد الساحة العالمية، وبالتالي فإن نسبة أيّ مصطلح إليه تمنح ذلك المصطلح دعماً وتزيده رسوخاً، وأما الحقيقة فإن (العَلمانية) هي بفتح العين كما يعرف كثير من الناس، وذلك نسبةً إلى (العالَم) أو (الدنيا)، وحسب ما ورد في (دائرة المعارف البريطانية) فإن (العَلمانية) هي: (حركة اجتماعية، تهدف إلى صرف الناس، وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة، إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى، رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا، والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت الـعَلمانية تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يُظهرون تعلّقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية، وبإمكانية تحقيق طموحاتهم في هذه الدنيا القريبة). هذا المدخل ضروري لقضيتنا وإن بدا أنه ينتمي إلى جلسات (التأصيل الأكاديمي) لهذا المصطلح، ولكن من المهم نفي صفة (العلم) عن هذا المصطلح المشبوه، وأقول المشبوه لعدّة أسباب لا يسع المقام لذكرها، ولكن...في بيئة عربية إسلامية يجب علينا أن نناقش هذا المصطلح من واقع ما يترتّب عليه، وينبغي أن نتطرّق إليه من واقع درجة أدائه ومدى نجاح غرسه في البيئة الإسلامية بعد استيراده مصطلحاً وفكراً ومنهجاً من تجربة أوروبا التي تأجّجت صراعاً على مدى قرون بين الكنيسة والمجتمع، وبين الكهنوت وحاجات الناس.
من نافلة القول إنه كان لا بدّ للعَلمانية أن تتعثّر في بيئة لها جذورها الدينية وثقلها الثقافي وتاريخها المميز، ونجد على امتداد (الخارطة الإسلامية) الرفض التلقائي للمفهوم العَلماني وذلك بالرغم من تنوّع تجارب المجتمعات المسلمة، واختلاف مشكلاتها، وكثافة الجهود والضغوط من الداخل والخارج لاستلاب هويتها، ولذا نجد أن مجرّد قطعة من قماش تحمي به المرأة حياءها، وتصون كرامتها، وتنضبط بضوابط دينها، تصبح تهديداً لعَلمانية صالت وجالت في رحاب تركيا، وحكمت لعقود طويلة بالحديد والنار وقوة العسكر، ولكنها في النهاية تترنّح تحت إطلالة قطعة من قماش أصرّوا على أن لا تغطّي الرقبة، ولا تتدلّى على الصدر، ولا تلمس جنبات الكتف، وكأنهم يضعون مواصفات لتجريد (صاروخ نووي) من عناصر الدمار!.
أما نفي العلاقة بين (العلم) و(العَلمانية) فهو من بدهيات الأمور لأسباب عدّة منها التناقض الصارخ بين طبيعتيهما ومهامهما؛ فـ(العلم) يسعى لفهم قوانين الكون ودراسة خصائصها وتوحيد مفاهيمها والتواؤم معها والاستفادة منها، و(العَلمانية) تسعى للتصادم مع قوانين الفطرة البشرية، وتقويض الحقائق الحياتية، وتفكيك الموحّد والمستقر، والقفز على مقوّمات التوازن النفسي، ومسخ العنصر الوجداني في الكيان البشري؛ فكيف بربكم يمكن أن يُبنى نظام اجتماعي في الأخلاق، وتتأسّس قيمه الفكرية وتعاملاته الحياتية دون أن يكون لقناعات أفراده ودينهم تعبير في ذلك كله، وتأثير على الممارسات والقرارات؟، وهل من المعقول أن يكون هذا الفصل الأخرق بين الفكر والحياة، وبين الدين والدنيا، من طبائع التكوين البشري؟، وألا يدرك أصحاب ذلك التوجه المشبوه أن الدين فكر ووجدان وإيمان ورؤية، وأنه إذا لم يجد له تعبيراً على أصعدة الحياة المختلفة ومداولات البشر المتنوّعة، فإنه بالضرورة يحشر صاحبه في مأزق فكري ووجداني وحياتي يقود إلى تعبيرات حياتية غير سويّة كنتيجة طبيعية لاختلال التوازن بين عناصر (الفكر العَلماني)؟. إن (الرؤية العَلمانية) المنبثقة عن تجربة أوروبية بحتة تواجه نقداً داخلياً عنيفاً في أدبيات (الفكر الغربي)، ولكن (الانبهار الطفولي) بهذا المصطلح لدى علمانيي العالم الإسلامي لم يسمح لهم بالتأمل الموضوعي للقضية، وحجب عنهم تفاعلات البوتقة الداخلية للفكر الغربي وصراعاته الطويلة، وليس هذا بغريب على الساحة الفكرية في العالم الإسلامي حيث نجد أن الانبهار بالمصطلحات والانسياق لمعطياتها الوردية في أوهام بعض مثقفي العالم الإسلامي هما العنصران الرئيسان اللذان يحدّدان هشاشة الطرح وسطحية التحليل وضحالة الاستنتاج. أما العبرة من هذه الحكاية؛ فإن الفكر الذي تهدّده قطعة من قماش، وتجعله يتشنّج وينادي بالويل والثبور وعظائم الأمور، هو فكر مقبل على الانقراض لهشاشة بنيته وهزالة تكوينه وإفلاس محتواه، وأما الفكر الذي تكون قطعة القماش من أقوى أسلحته وأمضى آلياته، فإنه فكر لا يحتاج إلى سلاح، ولا يسعى إلى منازلة، لأنه مستقر في وجدان الناس، وثابت في مفاهيمهم، وراسخ في قناعاتهم، ومتأصّل في حياتهم.

بمعدل: 5 (4)

خيارات عرض التعليق

اختر الطريقة التي تفضلها لعرض التعليقات، ثم اضغط على "احفظ الإعدادات" لتفعل التغيرات.


مقال رائع

لا شلت يمينك يا دكتور .. قرأت لك عدة مقالات خلال الفترة الأخيرة واكتشفت كنزا عظيما اسمه خضر الشيباني .

خيارات عرض التعليق

اختر الطريقة التي تفضلها لعرض التعليقات، ثم اضغط على "احفظ الإعدادات" لتفعل التغيرات.

أضف تعليق

  • عزيزي القارئ

    نسعد بمشاركتكم معنا في التعليق على أي خبر أو مقال ، مؤملين أخذ النقاط التالية في الاعتبار :

    1-      الابتعاد عن أي تعليق يمس بالأديان  السماوية أو المذاهب المعتبرة أو الأنظمة المعمول بها في المملكة العربية السعودية ، أو التي تشجع على الانقسام أو التحزب ، و نعتذر عن نشرها .

    2-      الابتعاد عن القدح الشخصي ، سواء كان المقصود ( وزيرا ، مسؤولا ، موظفا ، كاتبا ) فالتعليقات التي تمس الأشخاص بذاتهم سواء بالشكل أو الفكر أو المذهب أو الاتجاه أو حتى اللبس سيتم حجبها ، و سيتم نشر أي تعليق مهما كانت درجة مخالفته إذا ما كان مهذبا في الطرح بعيدا عن التجريح الشخصي ، فالنقد لفكرة الكاتب و ليس لشخصه ، لأداء الوزارة أو الإدارة و ليس لشخصه .

    3-      عدم تجاوز عدد حروف المشاركة 500 حرف .

    4-      في حال التعليقات على الكاتب فقط ، سيتم إعادة إرسالها كما هي للكاتب بغض النظر عن نشرها في الموقع من عدمه حرصا على إيصال صوتكم للكاتب ، بعد أن يتم طبعا استبعاد التعليقات غير المهذبة .

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق