نشر في : جريدة المدينة http://www.al-madina.com
حياتنا وادٍ متصدع !

الجمعة, 9 مايو 2008
أحمد العرفج

وقد صدق الإمام النفّري عندما قال: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة»، فالكاتب من ضخامة المشاكل، ومتانة أعباء الحياة، يحار في أي شأن يكتب، فمن الجنوب أنت محاط بـ “حمى الوادي المتصدع”، وشمالاً لا مفر من مواجهة نقص المياه وشحّها، ومن الغرب يواجهك «التلوث» المنبثق من أوجاع البيئة وسرطان رمي المخلّفات، ومن الشرق لن يأتيك عصفور – كما هو عنوان توفيق الحكيم «عصفور من الشرق»-، بل سيأتيك من الأخبار ما لا يسرّ ولا يُفرح، حينها لن تقول: وما آفة الأخبار إلا رواتها، بل ستقول: يا بخت الأطرش!

هذه قائمة مصروفات المآسي في سلّم المدفوعات، لن يقف الإنسان أمامها إلا كما تقف «أم العروس»، تلك التي توصف لكثرة «ربشتها» بأنها «فاضية مشغولة»، في حيرة صفراء جعلتها معلقة بين الأرض والسماء!

ولكن إلى متى نظل في «مربع الشكوى»؟ أتذكر أنني عندما كنت طفلاً بكيت بحرقة مستعطفاً أمي حتى تشتري لي حذاءً، وصادف أن مرّ من أمامي رجل بلا قدمين، فأشارت أمي إليه، ومنذ ذلك اليوم أدركت أنّ ألم الفقر أخفّ بكثير من ألم الحرمان! حسناً، هل نتخذ «القناعة» سلّماً وطريقاً؟ وهذا المتنبي يصرخ قائلاً:

إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومِ

فَلاَ تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ

فَطَعْمُ المَوْتِ فِي أَمْرٍ حَقِيرٍ

كَطَعْمِ المَوْتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ!

لماذا نقنع بهذه المشاكل، ونرضى بغياب الحذاء عندما نرى رجلاً بلا قدمين؟ لماذا نعيش في دائرة «النقص»، ونحن نستطيع العيش في مستطيل الرخاء والنعيم؟ وهذا المتنبي -الشاعر ما غيره- يصرخ:

وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْباً

كَنَقْصِ القَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ!

دائماً ما تنصح عالمة النفس الأمريكية لويس هي مراجعي عياداتها بأن لا يشاهدوا نشرات الأخبار، وأن يتجنّبوا سماع الحوادث السيئة، ولكن هذا «خداع للنّفس»، وفي ظنّي أنه «أجمل أنواع الخداع»، بل هو أخفّ الخطرين، وفي ذلك يقول شاعرنا الكبير البردّوني:

خَطِيرٌ جَهْلُ مَا يَجْرِي

وَأَخْطَرُ مِنْهُ أَنْ تَدْرِي!

تصور أنك بين أمرين أحلاهما مرٌّ، فمن العيب أن تنسحب من الحياة، ومن المتعب أن تكون حياتك هامشاً لأخطاء الآخرين ومصائبهم!

إنها حيرة حمراء أصلها متحرّك وفرعها في هذه الصفحة البيضاء، إلا من أوهام سوداء، وأمانٍ صفراء، وآلام زرقاء!

ماذا بقي؟ بقي هذا الاستفهام الكبير المرتبك والمتردّد بين الانغماس في الحياة الدنيا، أو الارتداد للداخل والعيش في الأماكن القصوى!

هذه دعوة لفكرة طويلة تحرّض المؤمنين على «مكابدة الحياة».. وما المانع في مناقشة هذه المكابدة؟ وما المانع في إعادة النظر بحثاً عن حياة أفضل، وطريقة أجمل؟ فالأغبياء والأموات فقط هم الذين لا يغيّرون آراءهم!.


المصدر: http://www.al-madina.com/node/4915