نعم مسيرة وطن حافلةً بالإنجاز والازدهار والاستقرار، ونحن إذ نحتفي بيومنا الوطنيِّ السعوديِّ، فإنَّنا نستدعى ذاكرتنا الوطنيَّة، ونستحضر سيرة الموحِّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيَّب الله ثرَاهُ- الذي وحَّد هذا الكيان الشَّاسع، وأسَّس دولةً حديثةً على أُسس ثابتةٍ من العمق الدينيِّ والوعي السياسيِّ.
امتاز الملك عبدالعزيز بصفاتٍ قياديَّةٍ عديدة، وسجايا إنسانيَّة رفيعة، جمعت ما بين الشجاعة والشهامة، والحزم والعفو، والقوة واللِّين، سجايا اجتمعت في قائدٍ قلَّ أنْ يجودَ التاريخُ بمثلهِ.
ولا شكَّ أنَّ من أعظم صفات الملك عبدالعزيز التي ساهمت في بناء هذا الوطن، هي الرُّؤية الطَّموحة التي تحدَّى به الملك عبدالعزيز قسوة الظروف، وشدَّة الصعاب، طموح جعل الملك عبدالعزيز يخوض الجولة المرَّة تلو المرَّة دون كللٍ أو يأسٍ، فعندما تعثَّر في محاولته الأولى لاسترداد الرِّياض، خاض في العام التالي جولةً ثانيةً تكلَّلت بالنَّجاح، وتمكَّن من استرداد الرياض عام ١٣١٩هـ/١٩٠٢م.
وحينما حاول ضمَّ الأحساء عام ١٣٣٠هـ/١٩١٢م واجه مقاومةً، فانسحب على مضضٍ وأنشد أبياتًا قال فيها:
«يَا هجر يَا زِين البناتِ لا تحسبينَا هاربِين
إنْ طوَّل الله بالحياةِ لا بُدَّ منك راجعِين»..
وبالفعل تمكَّن في العام التالي من إعادة الكرَّة ونجح في ضمِّ الأحساء عام ١٣٣١هـ/١٩١٣م.
وفي السياق ذاته يذكرُ أمين الريحاني محاورةً شعريَّةً مع الملك عبدالعزيز، تُوحي بعمق طموح الملك عبدالعزيز، واتِّساع تطلُّعاته، فقد وجد الريحاني بيتًا من الشِّعر كُتب على باب أحد القصور:
لسنَا وإنْ أحسابَنَا كَرُمتْ
يومًا علَى الأحسابِ نتَّكِلُ
فأكمل الريحاني يقول:
نَبنِي كَمَا كَانتْ أَوائلُنَا تَبنِي
ونفعلُ مثلَ مَا فَعلُوا
فرد الملك عبدالعزيز بطموحهِ وفراستهِ معدِّلًا البيت:
نَبْنِي كَمَا كَانتْ أَوائلُنَا تبني
ونفعلُ -إنْ شاءَ اللهُ- فوقَ مَا فَعَلُوا
ولعلَّ هذا يلخِّص نظرة الملك عبدالعزيز الطموحة في بناء الدولة، والارتقاء بها في سماء المجد.
الجدير بالذِّكر أنَّ طموح الملك عبدالعزيز لم يقف عند توحيد البلاد، رغم عظمة هذا الإنجاز، بل امتدَّ طموحه نحو وضع بلاده على طريق الاستقرار والازدهار، فبدأت مساعيه الحثيثة لاكتشاف ثروات بلاده، واستقدم الخبراءَ، وتكلَّلت جهوده باكتشاف النفط بكميَّات تجاريَّة، وبدأت البلاد تصدِّر أوَّل شحنة من النفط عام ١٣٥٨هـ/١٩٣٩م، وحدثت معها طفرة اقتصاديَّة، ونقلة تاريخيَّة عظيمة في عهد الملك عبدالعزيز، حيث ساهمت العوائد النفطيَّة في دعم مسيرة التطوُّر والازدهار في البلاد.
إنَّ الشواهد التاريخيَّة على طموح الملك عبدالعزيز يصعب حصرُها، ولعلَّ احتفاء بلادنا بهذا اليوم الذي اكتمل فيه توحيدُ هذا الوطن الشَّاسع خيرُ شاهد على طموح قائدٍ لا يعرف المللَ، ولا يركنُ لليأسِ.
وبعد وفاة الملك عبدالعزيز -طيَّب اللهُ ثرَاهُ- أكملَ أبناؤه البررةُ مسيرةَ الطموحِ في بناء ونهضة هذا الوطن، حتى ننعم اليوم -ولله الحمد- في عهد خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- برُؤية طَموحة، وإنجازات متسارعة، ومتنامية على كافَّة الأصعدة، يحكي بها القاصِي والدَّانِي.
إعداد:
د. منال بنت عواد المريطب
أستاذ التاريخ السعودي
بقسم التاريخ والآثار
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة الملك عبدالعزيز