شكّل تطوير منظومة التشريعات المتخصصة منعطفًا مهمًّا نحو مزيد من التقنين والوضوح والقدرة على التنبؤ بالأحكام، بما يرسِّخ الثقة بالمنظومة العدليَّة ويعزِّز تنافسيَّة المملكة وأكد نخبة من المحامين والمستشارين القانونيِّين، في ذكرى اليوم الوطني، أنَّ ما شهدته المملكة خلال عهد الملك سلمان يمثِّل تحوُّلًا نوعيًّا في بناء البيئة التشريعيَّة، انتقل بأثر النظام من معالجة النزاع بعد وقوعه إلى الإسهام في الوقاية منه، وحماية الحقوق، وتعزيز استقرار التعاملات.
مرحلة نوعية فى التشريعوقال المحامي والمستشار القانوني محمد بن حسن بن نهار: نعيش حاليًّا مرحلة نوعيَّة في تاريخ التشريع السعودي، إذ لم يكن التطوير محصورًا في زيادة عدد الأنظمة أو تحديثها، وإنَّما امتد إلى فلسفة التشريع ذاتها، بما يجعل القاعدة النظاميَّة أكثر وضوحًا وقدرة على مواكبة المتغيِّرات.
وأضاف: إنَّ من أهم ثمار هذه المرحلة تعزيز اليقين القانونيِّ؛ فكلَّما اتَّضحت الحقوق والالتزامات، أصبح الفرد والمنشأة والمستثمر أكثر قدرةً على معرفة مركزه القانونيِّ قبل نشوء النزاع، وهو ما يعزِّز العدالة الوقائيَّة.
ويأتي نظام المعاملات المدنيَّة في صدارة التحوُّلات التشريعيَّة الكبرى، بما اشتمل عليه من تنظيم للالتزامات، والعقود، والمسؤوليَّة المدنيَّة، والتعويض، والحقوق العينيَّة، وغيرها من التعاملات؛ ليشكِّل مرجعيَّة مهمَّة لاستقرار العلاقات المدنيَّة والتجاريَّة.
وضوح الأحكتموأوضح المحامي والمستشار القانوني خالد بن سعود العميري، أنَّ أهميَّة النظام القانوني تتجاوز كونه تشريعًا متخصصًا، وقال: «وجود أحكام واضحة للعقود والالتزامات والمسؤوليَّة والتعويض يجعل الأطراف أكثر إدراكًا لما لهم وما عليهم، ويرفع جودة صياغة العقود، ويحد من مساحات الغموض التي قد تقود إلى المنازعات».
وأشار إلى أنَّ قوة البيئة القانونيَّة تنعكس مباشرة على جاذبيَّة الاقتصاد، فالمستثمر ينظر إلى وضوح التشريعات، وحماية الحقوق والملكيَّة، واستقرار العقود، وكفاءة الفصل في المنازعات، وفاعليَّة تنفيذ الأحكام.
وفي موازاة ذلك، مثَّل نظام الإثبات نقلة مهمَّة في تنظيم وسائل إثبات الحقوق أمام القضاء، خصوصًا مع اتِّساع نطاق العقود والمراسلات والوثائق الإلكترونيَّة.
وقال المحامي والمستشار القانوني أحمد عجب: إنَّ نظام الإثبات يجسِّد قدرة التشريع السعودي على مواكبة الواقع المتغيِّر، مشيرًا إلى أنَّ جزءًا كبيرًا من التعاملات أصبح يجري في البيئة الرقميَّة، ومن ثمَّ فإنَّ تنظيم الدليل الرَّقمي وحجيته يمثِّل تطوُّرًا مهمًّا في المنظومة القانونيَّة.
وفي الجانب الاجتماعي والأسري، جاء نظام الأحوال الشخصيَّة ليؤسس مرحلةً أكثر وضوحًا في تنظيم مسائل الزَّواج، والطلاق، والنفقة، والحضانة، والوصية، والإرث، وغيرها، بما يعزِّز معرفة أفراد الأسرة بحقوقهم والتزاماتهم.
تقنين وسائل الاحوال الشخصيةوأكَّد المحامي والمستشار القانوني رامي عطاالله المطيري، أنَّ تقنين مسائل الأحوال الشخصيَّة يُعدُّ من أبرز ملامح التطوير التشريعي.
وأضاف إنَّ مفهوم العدالة لم يعد مقتصرًا على صدور الحكم، بل يبدأ بحماية الحقوق قبل الخصومة، ويمر بكفاءة إجراءات التقاضي، وينتهي بفاعلية التنفيذ، ووصول الحقوق إلى أصحابها.
وتزامنت هذه التحوُّلات مع نقلة رقميَّة واسعة في القطاع العدلي، نقلت العديد من الخدمات والإجراءات من مساراتها التقليديَّة إلى البيئة الإلكترونيَّة، واختصرت الوقت والجهد، وسهَّلت وصول المستفيد إلى الخدمات، بما جعل التقنية شريكًا أساسًا في تطوير العدالة.
تكامل التشريع والقضاءويرى المحامي والمستشار القانوني حازم بن توفيق بن جبري، أنَّ التكامل بين التشريع والقضاء والتقنية يمثِّل أحد أبرز ملامح التحوُّل العدلي، موضحًا أنَّ جودة النص النظامي تكتسب قيمتها عندما يصاحبها تطبيق فعَّال، وإجراءات واضحة، وخدمات يسهل الوصول إليها.
وامتدَّ أثر الإصلاح التشريعي إلى قطاعات الاقتصاد والأعمال والاستثمار؛ إذ أسهم تطوير الأنظمة المرتبطة بالشركات والإفلاس، والمنافسة، والاستثمار، والملكيَّة في إيجاد بيئة أكثر قدرة على مواكبة النمو الاقتصاديِّ المتسارع، في ظل المشروعات الكبرى، واتِّساع الاستثمارات المحليَّة والدوليَّة وظهور أنماط جديدة من الاقتصاد الرقميِّ، والتجارة، والتقنية.
ويتفق القانونيون على أنَّ القيمة الكبرى لهذا التحوُّل تكمن في وصول أثره إلى تفاصيل الحياة اليوميَّة، عقد أكثر وضوحًا، وحق أكثر حمايةً، وأسرة أكثر معرفةً بحقوق أفرادها، ومنشأة أكثر قدرةً على تنظيم علاقاتها، ومستثمر أكثر اطمئنانًا إلى مركزه القانونيِّ، ومتقاضٍ أمام منظومة عدليَّة أكثر كفاءةً وسهولة.