ثقافة

متحف عثمان الدوسري في الخرمة.. حين تتحدث مقتنيات الأجداد عن زمن البساطة

مناحي القريشي - الطائف 23 سبتمبر 2026 12:10 4 دقائق قراءة
مع الاحتفال باليوم الوطني السعودي الـ96، تتجه الذاكرة إلى ما قبل عقود من التحولات المتسارعة، حين كانت الحياة أكثر بساطة، وكانت تفاصيلها اليومية تُدار بأدوات محدودة، يعتمد عليها الآباء والأجداد في معيشتهم وتنقلاتهم ومجالسهم وممارساتهم اليومية، قبل أن تدخل الأجهزة الحديثة والهواتف ووسائل التقنية إلى مختلف جوانب الحياة.
وفي محافظة الخرمة، ما زالت صفحات من ذلك الماضي محفوظة بعناية داخل متاحف تراثية خاصة، أصبحت بمثابة ذاكرة مفتوحة للأجيال، تجمع بين جنباتها أدوات ومقتنيات لم تعد حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، لكنها لا تزال تحمل قيمة كبيرة في التعريف بالماضي واستحضار صورة الحياة التي عاشها الآباء والأجداد.
ومن بين هذه المتاحف متحف عثمان سعد الدوسري الواقع في حي السوق القديم بمحافظة الخرمة، حيث تتجاور فيه مجموعة من المقتنيات التراثية التي تعكس جوانب من الحياة القديمة، وتمنح الزائر فرصة للعودة بصريًا إلى زمن كانت فيه الأدوات التقليدية جزءًا أساسيًا من تفاصيل المعيشة.
يقول مالك المتحف عثمان سعد الدوسري إن شغفه بالتراث دفعه إلى جمع المقتنيات القديمة والاحتفاظ بها، موضحًا أنه اعتمد في جمعها على ما حصل عليه من معارفه، إضافة إلى ما ورثه عن أجداده، مؤكدًا أنه لا يزال مستمرًا في اقتناء الأواني والأدوات وكل ما يرتبط بالتراث.
ويضم المتحف مجموعة متنوعة من القطع، من بينها الرحى، والميزب، والروادي، والأتاريك، والسيوف، والبنادق، والدلال الرسلان، والزفّة التي كانت تُستخدم في استخراج المياه من الآبار، والمراوح اليدوية «المهفة»، إلى جانب عدد من المقتنيات الأخرى التي تستعيد تفاصيل من الحياة اليومية في الماضي.
وتحضر الدلال الرسلان ضمن أبرز المقتنيات التي تستوقف الزائر، بما تمثله من ارتباط بالمجالس والضيافة والقهوة العربية، التي كانت وما زالت جزءًا راسخًا من العادات الاجتماعية، فيما تعكس بقية الأدوات طبيعة الحياة العملية التي عاشها السكان، ومدى اعتمادهم على الوسائل التقليدية في تلبية احتياجاتهم.
كما تستعيد الزفّة جانبًا آخر من تفاصيل الحياة القديمة، إذ كانت تستخدم في استخراج المياه من الآبار، في زمن كانت فيه عملية الحصول على الماء تتطلب أدوات مخصصة وجهدًا يدويًا، لتصبح هذه القطعة اليوم شاهدًا على مرحلة مختلفة من الحياة، وعلى أساليب اعتمد عليها الأجداد في التعامل مع متطلبات بيئتهم.
أما المهفة، فتستعيد مشهدًا من الحياة اليومية قبل انتشار وسائل التبريد الحديثة، عندما كانت المروحة اليدوية من الأدوات البسيطة التي يستخدمها الناس للتخفيف من حرارة الأجواء، وهي قطعة تبدو للزائر اليوم بسيطة في شكلها، لكنها تختزن جانبًا من تفاصيل المعيشة في ذلك الزمن.
ولا تقتصر قيمة هذه المقتنيات على قدمها، فكل قطعة منها تحمل دلالة مرتبطة بالاستخدام والمكان والعادات الاجتماعية؛ فالرحى تحكي عن إعداد الطعام، والدلال الرسلان تستحضر المجالس والضيافة، والزفّة تروي جانبًا من رحلة البحث عن الماء، فيما تعيد السيوف والبنادق رسم ملامح مرحلة تاريخية مختلفة.
ويحرص الدوسري على المحافظة على مقتنيات متحفه والعناية بها بصورة مستمرة، من خلال تنظيفها وترتيبها والاهتمام بها، مؤكدًا أن المحافظة على هذه القطع تمثل جزءًا من مسؤوليته تجاه التراث، وأنه يسعد بما يضمه المتحف ويحرص على بقائه في صورة تليق بقيمته.
كما أكد أن المتحف جاهز لاستقبال الزوار، وأنه يرحب بالمهتمين بالتراث والموروث الشعبي، مبديًا اعتزازه بما جمعه من مقتنيات، وحرصه على أن تكون متاحة أمام الأجيال للتعرف على الأدوات التي كانت جزءًا من حياة آبائهم وأجدادهم.
وفي اليوم الوطني، تكتسب هذه المتاحف أهمية خاصة، لأنها لا تقدم الماضي بوصفه مجموعة من الأدوات القديمة فحسب، وإنما تستعيد من خلال تلك الأدوات ملامح مرحلة عاشها المجتمع السعودي، وتُظهر حجم التحول الذي شهدته المملكة خلال مسيرتها التنموية.
وبين قطعة وأخرى، يجد الزائر نفسه أمام تفاصيل كانت ذات يوم جزءًا طبيعيًا من الحياة؛ أدوات في المنازل والمجالس والآبار، ومقتنيات ارتبطت بالمهن والعادات والضيافة، قبل أن تتغير أنماط الحياة وتتسع المدن وتتطور وسائل المعيشة.
وهكذا يبقى متحف عثمان الدوسري في حي السوق القديم بالخرمة شاهدًا على أن ذاكرة المكان لا تحفظها الكتب وحدها، بل تحفظها أيضًا الأشياء التي استخدمها الناس، وحافظ عليها أبناؤهم، لتنتقل من جيل إلى جيل، وتظل تحكي للأجيال الجديدة كيف كانت الحياة بالأمس، وكيف تبدلت تفاصيلها مع مسيرة الوطن نحو الحاضر.
فالتراث ليس مجرد ماضٍ محفوظ خلف الزجاج، بل ذاكرة وهوية وحكاية وطن؛ وكل قطعة يحتفظ بها المهتمون بالتراث تفتح نافذة على زمن مضى، وتمنح الأجيال فرصة لأن ترى بعينها بعضًا من تفاصيل الحياة التي عاشها الآباء والأجداد، في رحلة وطنية تستحضر الماضي وتحتفي بالحاضر وتستشرف المستقبل.

أخبار ذات صلة