ثقافة

الحسني يقرأ الجغرافيا الثقافية في غرفة الباحة

علي السعلي - جدة 23 سبتمبر 2026 19:03 4 دقائق قراءة
احتضنت غرفة الباحة بالشراكة مع أمانة منطقة الباحة، محاضرة للإعلامي عبدالله الحسني بعنوان "جغرافيا الوطن.. من وحدة الأرض إلى جغرافيا المستقبل"، وسط حضور من المثقفين والأدباء والمهتمين ورجال الأعمال، يتقدمهم م. صديق الشيخي وكيل أمين الباحة، ورئيس غرفة الباحة الأديب ماشي العمري.

تتبع الحسني في ورقته إلى الثقافة في الباحة؛ أرضًا وإنسانًا وذاكرةً وتحولًا.
وقدّم الأمسية أحمد البرتاوي، الذي رحّب بالحضور وعرّف بالضيف، مستعرضًا جانبًا من مسيرته المهنية والثقافية، واستهل الحسني ورقته عن علاقته بالباحة بوصفه ابنًا للمكان لا زائرًا له، ومشيرًا إلى جذوره في "قرية وادي الصدر" ببني حسني، وما أثارته الجولة من لواعج الشوق وهواجس الذاكرة ودهشة التحول. وكشف أن ما شاهده من مشروعات وتجارب تنموية دفعه إلى العودة لورقته التي أعدها سلفًا، والسهر على إعادة صياغة أجزاء منها.
انطلقت الورقة من مفهوم "الجغرافيا الثقافية و"شخصية الإقليم" و"عبقرية المكان"، متتبعة العلاقة التاريخية بين إنسان الباحة وبيئته، وكيف لم يقف الإنسان أمام قسوة التضاريس موقف العاجز، بل فاوض الجبل بالمدرج، وحوّل الحجر إلى بيت وحصن، وصنع من حاجته حرفة وثقافة. وذهب الحسني إلى أن عبقرية الباحة لا تكمن في طبيعتها وحدها، وإنما في ذلك التفاعل الخلاق بين الأرض والإنسان والتاريخ والثقافة، معتبرًا أن "إنسان الباحة" لم يَعِشْ في مواجهة الطبيعة؛ بل تعلَّم كيف يتفاهم معها".
وانتقلت الورقة من ذاكرة المكان إلى راهنه، لتقرأ التحولات التي تشهدها الباحة بوصفها تحولًا في ذهنية الإنسان تجاه جغرافيته، وليس مجرد تغير في المشهد العمراني والسياحي. واستعرض الحسني نماذج شاهدها خلال جولته، من "مشروع قمرة" وتجربة القهوة الشدوي، إلى المزارع التي تجاوزت مفهوم الإنتاج الزراعي إلى صناعة التجربة السياحية والاقتصادية، وتجارب الأكواخ والإيواء، وصولًا إلى "راهية بارك"، مشيرًا إلى قدرة هذه المشروعات على الأخذ بالتحديث مع إبقاء روح المكان حاضرة، ومؤكدًا أن " أجمل تنمية للمكان هي التي تجعله أكثر تقدًمًا، من دون أن أن تجعله أقلّ شبهًا بنفسه".
وتوقفت الورقة عند مفهوم "أنسنة المكان" وما لمسه المحاضر من عناية بكبار السن وذوي الإعاقة في تصميم بعض المواقع والمرافق، معتبرًا أن جودة المكان لا تُقاس بجماله البصري وحده، وإنما بقدرته على أن يكون متاحًا وصديقًا للجميع، وأن الجمال حق للجميع".
كما قرأ الحسني الشراكة بين أمانة منطقة الباحة وغرفة الباحة من زاوية تتجاوز إطار تنظيم الفعاليات، معتبرًا أن الأمانة لم تعد محصورة في الصورة التقليدية للخدمات البلدية، بل أصبحت شريكًا في صناعة حياة المدينة وثقافتها وجودة العيش فيها، فيما تجاوزت الغرفة مفهومها الاقتصادي التقليدي إلى الإسهام في الحراك الفكري والثقافي. ووصف هذه العلاقة بأنها "توأمة بين المال والفكر، وبين السيولة الاقتصادية والسيولة الثقافية"، مؤكدًا أن الاقتصاد حين يلتقي بالثقافة يمنح المشروع روحًا، فيما تمنح الموارد الاقتصادية الفكرة الثقافية قدرةً على التحول إلى أثر.
وتناول المحاضر كذلك إسهامات رجال الأعمال في خدمة المنطقة، مستشهدًا بالشيخ سعيد العنقري، ورئيس مجلس إدارة غرفة الباحة ماشي العمري، إلى جانب كثير من أبناء المنطقة الذين أسهموا في مشروعاتها الثقافية والاجتماعية والتنموية، مؤكدًا أن الانتماء الحقيقي لا يقف عند محبة المكان، وإنما يتجسد في السؤال: "ما ذا أستطيع أن اضيف إلى المكان؟".
وفي محور الإنسان، توقف الحسني عند الحضور اللافت لأبناء الباحة في الثقافة والتعليم والإدارة والصحافة والإعلام، مستندًا إلى ملاحظته المهنية الممتدة في الوسط الصحفي، ومثيرًا سؤالًا حول سر قدرة هذه الجغرافيا على إنتاج هذا الحضور الإنساني الواسع. وربط ذلك بثقافة المجلس والحكاية والشعر والتعليم والارتحال والتواصل الاجتماعي، مختصرًا التحول بقوله: "من المجلس إلى الصحيفة تغيّرت الوسيلة، لكن بقيتِ الحكاية"، ومعتبرًا أن أعظم ما أنتجته جغرافيا الباحة هو الإنسان بوصفه "أيقونة المكان".
واتصلت الورقة بمناسبة اليوم الوطني، حيث وضع الحسني الباحة داخل المعنى الوطني الأشمل، مشيرًا إلى أن الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وحّد جغرافيا الأرض، ثم تعاقبت الأجيال على بناء جغرافيا الإنجاز، فيما تفتح رؤية المملكة 2030 المجال أمام كل منطقة لاكتشاف ميزتها الخاصة وتحويل مكوناتها الطبيعية والثقافية والإنسانية إلى قيمة مضافة للوطن. واختتم فكرته بعبارة لخصت محور المحاضرة: "وحّد الملك عبدالعزيز جغرافيا الأرض، وبَنَتِ الأجيالُ الإنحازَ، ونحن اليوم مصنع جغرافيا المستقبل؛ مستقبلًا يحفظ ذاكرة المكان، ويطلِق عبقرية الإنسان".

وعقب المحاضرة، شهدت الأمسية عددًا من المداخلات من عوضه الدوسي، وأحمد مجثل، والتي أضافت إلى موضوعها أبعادًا أدبية وثقافية وتنموية. واستهل المداخلات رئيس جمعية أدبي الباحة الشاعر حسن الزهراني، الذي أشاد بعمق الورقة وجمال لغتها، معتبرًا أنها في بنائها وصورها واقترابها الوجداني من الباحة بدت أشبه بقصيدة شعرية ممتدة.
فيما عقب الباحث في التاريخ والتراث إبراهيم الزهراني، فتناول القضية من منظور يرتبط بالعمل الثقافي والتنموي، مشيرًا إلى أن أحد الأسئلة التي حظيت بالدراسة والاهتمام في وزارة الثقافة يتمثل في: كيف تتحوّل الأصول الثقافية إلى مشروعات استثمارية تحافظ على الهوية وفي الوقت ذاته تسهم في الناتج المحلي؟.. ولفت إلى ثلاثة مرتكزات رئيسة في هذا السياق هي الأصول الزراعية، والأصول الثقافية، والأصول التاريخية، موضحًا ما قامت به الوزارة من تمكين وتشريعات وإيجاد بيئة مساندة تساعد على تحويل هذه الأصول من قيمة محفوظة إلى قيمة حية ومنتجة.
وفي ختام الأمسية، جرى تكريم الإعلامي عبدالله الحسني تقديرًا لمشاركته، حيث قدم له التكريم نائب أمين منطقة الباحة ورئيس مجلس إدارة غرفة الباحة ماشي العُمري، في ختام أمسية جمعت الثقافة بالتنمية، والشعر بالاقتصاد، والذاكرة بالمستقبل؛ لتبدو الباحة في تلك الليلة لا موضوعًا لمحاضرة فحسب، بل نصّا مفتوحًا كتبه المكان ويواصل الإنسان الباحوي كتابة فصوله الجديدة.

أخبار ذات صلة