ناقشت جلسة بعنوان "اللغة والهوية الثقافية: الدلالة، والذاكرة، والانتماء" ضمن أعمال المؤتمر السنوي الدولي الخامس لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، عددًا من القضايا المرتبطة باللغة والثقافة والهوية، من خلال بحثين علميين تناول أولهما الكيفية التي تشكل بها المفاهيم الثقافية في العربية، فيما بحث الآخر مفهوم "المعنى الثقافي" ودوره في تشكيل الهوية وحفظ خصوصيتها.
وتناولت الجلسة ورقة بعنوان "كيف تفكر العربية في الثقافة؟ مقاربة فيلولوجية في ضوء الاستعارة التصورية" قدمها الباحث الدكتور سالم أخشوم، وأدارها الدكتور محمد القريشي، مفهوم "الثقافة" في العربية من منظور لغوي وتاريخي وإدراكي، مبينًا أن المفهوم نشأ من خبرة حسية مادية قبل أن يتطور إلى دلالة فكرية وتربوية مجردة.
وأوضح الدكتور أخشوم أن الجذر "ثقف" يرتبط في دلالته الحسية بأداة "الثِّقاف" التي يُقوَّم بها الرمح أو القناة المعوجة، مشيرًا إلى أن الانتقال من هذه الدلالة المادية إلى مفهوم الثقافة بمعناه الفكري تم عبر استعارة تصورية نقلت بنية التقويم المادي إلى تشكيل الإنسان، وصقله وإعداده.
وأشار إلى أن الثقافة وفق هذا التصور لا تقتصر على تراكم المعارف، وإنما تُمثل عملية لتشكيل الإنسان وإكسابه شكلًا ووظيفة وقيمة داخل النظام الاجتماعي والثقافي، مبينًا أن الإنسان في هذا النموذج يشبه مادة خامًا قابلة للتقويم والصقل، بما يجعل الثقافة عملية إنتاج للهوية الاجتماعية والثقافية، وليس مجرد امتلاك لمحتوى معرفي.
وتناول البحث فرضية تأثيلية لأصل "ثقف" تربطه بـ"سكف"، مقترحًا مسارًا لغويًا يبدأ من السومرية مرورًا بالأكدية والفارسية ثم المعرّب وصولًا إلى "ثقف"، مع التأكيد أن هذا الطرح يندرج في إطار الفرضية التأثيلية وليس حقيقة تاريخية محسومة.
وبيّن الباحث أن ثبوت الأصل الدخيل المفترض للفظ "ثقف" لا ينتقص من قدرة العربية على إنتاج المفاهيم، بل يكشف عن قدرتها على استيعاب المادة المعجمية، وإعادة شحنها دلاليًا واستعاريًا، لتصبح حاملة لمضمون فكري وأخلاقي مجرد، ولرؤية فلسفية حول الإنسان.
وتناولت الورقة العلاقة بين عدد من الجذور العربية، مقترحة النظر إليها بوصفها شبكة صوتية ودلالية، ومن بينها "حد" و"حذ" و"حذف" و"هذب" و"أدب"، مع التأكيد أن هذا الطرح لا يعني بالضرورة تعاقب هذه الألفاظ تاريخيًا في خط زمني واحد، وإنما يقترح قرابة بنيوية قابلة للاختبار في ضوء التقارب الصوتي والدلالي والشواهد التاريخية.
وأشار إلى أن مفهوم "أدب" شهد مسارًا تصاعديًا نحو التجريد، انتقل فيه من دلالة ترويض الحيوان وتدريبه إلى تهذيب الإنسان أخلاقيًا، ثم إلى "الأدب" بوصفه مجالًا من مجالات المعرفة والإبداع، مرجحًا، في ضوء الأدلة التي ناقشها البحث، التفسير الداخلي العربي لأصل اللفظ على الفرضيات التي تربطه بأصول أجنبية.
وقارن البحث بين المفهوم العربي للثقافة والمفهوم اللاتيني «cultura»، الذي يرتبط بـ«colere» الدال على فلاحة الأرض والعناية بها، قبل انتقاله إلى مفهوم "فلاحة النفس"، موضحًا أن المجال المصدر يختلف بين اللغتين؛ ففي اللاتينية ينطلق من الفلاحة، بينما يقترح البحث أن العربية انطلقت من المجال الحرفي، وتقويم المادة، إلا أن الآلية الإدراكية في الحالتين واحدة، وهي الانتقال من المحسوس إلى المجرد عبر الاستعارة التصورية.
وخلص البحث إلى أربعة تصورات مجازية للإنسان وإصلاحه، تتمثل في الإنسان مادة تُقوَّم، ونباتًا يُشذَّب، وحيوانًا تُوجَّه طاقته، وأرضًا تُفلح، معتبرًا أن هذه التصورات لا تمثل صورًا بلاغية متفرقة فحسب، بل تتضمن تصورات تربوية مختلفة لطبيعة الإنسان وطرق بلوغه الكمال.
وناقش البحث التصورات الاستشراقية القديمة التي ربطت اللغات السامية بالمحسوس ونفت عنها القدرة على التجريد، مبينًا أن بناء العربية لمفهوم مجرد مثل "الثقافة" انطلاقًا من خبرة حسية يمثل، وفق الطرح الذي قدمه الباحث، حجة لغوية على قدرة العربية على الانتقال من المحسوس إلى المجرد.
وأكد أن المعجم لا ينبغي النظر إليه بوصفه مستودعًا لتعريف الكلمات فحسب، بل باعتباره ذاكرة لغوية وفكرية ووجدانية وحضارية تحفظ آثار البيئة والحرفة، والأداة والنشاط الاقتصادي، والعلاقات الاجتماعية، والتحولات الفكرية التي مرت بها الجماعة اللغوية.
وفي الجانب المنهجي، دعا البحث إلى إعادة الاعتبار إلى الاشتقاق الأكبر والإبدال وفق ضوابط علمية حديثة، بحيث لا تقتصر المقاربة على جمع الألفاظ المتشابهة، وإنما تُختبر العلاقات المقترحة في ضوء التقارب المخرجي، والسمات الصوتية والقرابة الدلالية، والشواهد التاريخية، إلى جانب دمج الفيلولوجيا التاريخية باللسانيات الإدراكية لفهم تاريخ الألفاظ والآليات التي أسهمت في تشكل معانيها.
من جانبها، قدمت أستاذة جامعة أم القرى بمكة المكرمة الدكتورة عزيزة بنت عطية الشنبري، ورقة علمية بعنوان "المعنى الثقافي ودوائر الدلالة: دراسة في علاقات اللغة والهوية"، تناولت فيها مفهوم "المعنى الثقافي"، وعلاقته بتشكل الهوية، انطلاقًا من أن المعنى يمثل الغاية الأساسية من اللغة، وأن فهمه يتطلب النظر في العوامل النفسية، والاجتماعية والثقافية المحيطة باستخدام الألفاظ.
وعرّفت الباحثة "المعنى الثقافي" بأنه المعنى الذي تنتجه جماعة لغوية محددة نتيجة تجاربها وطرق معيشتها الخاصة، بما يشمل أنماط: اللباس، والطعام، والسكن، والتقاليد، والاحتفالات، والشعائر، وغيرها من المظاهر التي تميز مجتمعًا عن آخر، مؤكدة أن اللغة المستخدمة داخل المجتمع تنتج معاني خاصة نابعة من تجربته الثقافية.
وأوضحت أن تشكل المعنى يمر بمراحل تبدأ بالتجربة الفردية وما تتركه من "مضمون نفسي"، ثم ينتقل إلى "المضمون المنطقي" المشترك بين أفراد الجماعة اللغوية، فيما تقترح الورقة مستوى ثالثًا يقع بينهما، أطلقت عليه "المضمون الثقافي" أو "المعنى الثقافي"، وهو مجموعة الإيحاءات وظلال المعاني التي يشترك فيها أفراد جماعة محددة تجمعهم بيئة وظروف وتجارب وثقافة مشتركة.
وبيّنت أن الدلالة المركزية يشترك في فهمها عموم الناطقين باللغة نفسها، بينما ترتبط الدلالة الهامشية بالاستجابات النفسية والتداعيات والتجارب الفردية، في حين يمثل المعنى الثقافي دائرة وسطى تتشكل من تجارب متشابهة لجماعة محدودة في زمان ومكان وبيئة ثقافية مشتركة.
واستشهدت الورقة بأمثلة توضح اختلاف ظلال المعاني باختلاف التجارب الشخصية والثقافية للمتلقين، مؤكدةً أن الكلمة الواحدة قد تحمل معنى مشتركًا لدى أفراد البيئة اللغوية، إلى جانب إيحاءات ومعانٍ هامشية تختلف باختلاف تجاربهم واهتماماتهم وظروفهم.
وأشارت الباحثة إلى أن المعنى الثقافي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية؛ لأن العبارات والمفردات والتراكيب التي تنشأ داخل بيئة ثقافية محددة تمثل منتجات ثقافية تعكس تجارب الجماعة وخصوصيتها، وقد يتعذر نقل دلالاتها الدقيقة إلى لغة أو ثقافة أخرى.
وتناولت الورقة حضور المعنى الثقافي في الأعمال الأدبية، ولا سيما الرواية والقصة، بوصفه وسيلة لحفظ الهوية وإبراز خصوصيتها، مستعرضة مفهوم "الرد بالكتابة" الذي ظهر في أدب المستعمرات، بوصفه إستراتيجية أدبية تستعيد مظاهر الهوية، وتوظفها في الأعمال الإبداعية باعتبارها شكلًا من أشكال القوة الناعمة، والمقاومة الثقافية.
وأكدت أن توظيف اللهجات المحلية والمسكوكات اللغوية الخاصة في الأعمال السردية لم يكن خيارًا فنيًا فحسب، بل ارتبط باستدعاء المعنى الثقافي، وإبراز الهوية المحلية، مشيرة إلى أن بعض هذه التعابير قد يصعب فهمها خارج البيئة الثقافية التي أنتجتها.
وخلصت الورقة إلى أن اللغة تعد من أبرز محددات الهوية، وأن المعنى الثقافي يمثل مستوى دلاليًا مهمًا بين التجربة الفردية والمعنى العام المشترك بين الناطقين باللغة، وأوصت بإجراء مزيد من الدراسات التي تتناول تداخلات اللغة والفضاء الثقافي، والإفادة من الدوائر الدلالية في دراسة المعنى، وتعزيز البحث في تقاطعات المعنى الدلالي مع المعاني الثقافية، وتطوير مداخل نقدية لدراسة الأعمال الإبداعية، لا سيما السردية، بما يبرز المعاني الخاصة المنتمية إلى المجال الثقافي المحلي.