ثقافة

رواية "رصاصة هزت القرية".. اجتماعية أخلاقية لا تمنحنا جواب بل تتركنا مع أسئلتنا

22 أكتوبر 2026 19:35 7 دقائق قراءة

بقلم: فيروز الحاسي (*)
دعني أولاً أبدأ بغلاف الرواية، فمن النظرة الأولى واعتماداً على حسك الذي تكوّن بفعل القراءة، تستطيع أن تلتقط الجو العام للرواية: سترى الليل والقمر، والقرية المحاطة بالجبال وحقول الذرة الممتدة في المقدمة، ثم بعد تأمل تلمح رصاصة باللون الأصفر بين الزرع.
كل عناصر الغلاف تشتغل في خط واحد يوحي لك بنوع الرواية، وجوها العام وقصتها.
بعد أن انتهيت من الرواية، عدت مجدداً للغلاف، وتأملته، فوجدت أن الرصاصة موضوعة بحذر أو ربما بخجل بين الزرع، وهي ليست مركز الغلاف.
ولهذا أرجح مكان الرصاصة له دلالته لكون الرصاصة ليست سوى الشرارة الأولى التي ستترك أثرها في انقسام أهل القرية، وهي ليست الحبكة الرئيسية.
ربما يكون الانطباع الأول للجو العام للغلاف بأن الرواية جريمة وغموض، ولكنها في الحقيقة أبعد ما يكون عن الأدب البوليسي، وإنما هي رواية اجتماعية أخلاقية. والحقيقة ألا ألقى في العادة أي اهتمام للأغلفة ولكن لأول مرة أشعر بأن غلاف الرواية عنصر مهم وبأنه يروي لك النصف الآخر من الرواية.
والآن لنأخذ جولة سريعة حول أحداث الرواية؛ سالم رجل متزوج، ابن عائلة ميسورة الحال، يعمل مزارعاً، ويتناوب مع أبناء عمومته في حراسة المزارع ليلاً، وفي إحدى ليالي حراسته، يطلق النار على جمعان الذي كان يتلصص خفية داخل المزرعة، فيقتله سالم دون أن تكون له نية مبيتة للقتل.
وعند البئر، وبجانب جثة القتيل تبدأ الحبكة، سالم يفكر بحيلة تنجيه من الورطة، ولكنه يؤثر الحقيقة على الكذب والهروب، ويقرر مواجهة مصيره. ومن هنا ندخل لصلب موضوع الحبكة أو الثيمة الرئيسية للرواية، وهي رحلة الصلح والوساطة والدية بين أهله وأهل جمعان. ثم تتسع الحكاية شيئاً فشيئاً، لتتبع أثر الحادثة على سالم وأهله وبيته. ويبقى السؤال المهم معلق تلوكه ألسن القرية، ولا نجد له إجابة، عن جمعان ودوافعه ووجوده داخل المزرعة ليلاً. وأسباب نية سالم للقتل.
لتنتهي الرواية بطريقة غامضة، تعيدنا إلى أجواء الليل والبئر مجددا كما بدأت. وبمجرد ولوجك عالم القرية في الرواية، يتبين لك أن ثيمتها الأساسية ليست البحث عن القاتل، فهي أبعد ما تكون عن الأدب البوليسي، وإنما تركز على ما يأتي بعد الجريمة، ماذا يفعل الإنسان حين يرتكب خطأً لا يستطيع التراجع عنه؟ كيف تتعامل الجماعة مع خطأ الفرد؟ وهل يعيد الصلح الأمور إلى نصابها السابق؟ وهل تُنهي الدية الخصومة؟ أما السؤال الذي شغلني طوال القراءة فهو: هل يخفف المال ألم الفراق، أم أنه مخدر للعقول؟.
كما أرى أن الدية في الرواية ليست مجرد تفصيل من تفاصيل الصلح، بل هي التي تضع المجتمع في موقع الشاهد والوسيط وصاحب القرار. ويبقى لدي سؤال: هل يحق للمعتدي حين يُقتل أن يكون أهله أصحاب حق وأصحاب دية؟.
وأكثر ما لفتني وأعجبني هو الطابع الفلسفي التأملي واعتبرته ركيزة أساسية لطريقة الكاتب في كتابة الرواية، وهو نوع من التفكير يسعى إلى بناء رؤية شاملة مترابطة العناصر، كما أحب أن أُشير بأن صاحب ورائد مفهوم التفكير التأملي في العصر الحديث هو الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي جون ديوي (John Dewey)، ومفهومه تركيز على حل المشكلة عبر الملاحظة هو تماماً كما فعل الكاتب حين ربط ملاحظاته بين النية والخطأ والقدر وتحمل المسؤولية، ثم العفو والحقيقة. وجدت هذا الجانب محفزاً للتأمل ومنيراً للعقل، لكن بما أن لكل شيء مقداراً معيناً، فكثرة العبارات التأملية أرهقتني، وأورثتني فتوراً في مواضع عدة. وفي مواضع أخرى بدا لي أن الكاتب يشرح الفكرة أكثر مما ينبغي، وكان بإمكانه أن يستثمر الشخصيات والحوار درامياً ليوصل أفكاره الفلسفية
وشعرت بالإفراط تحديداً في الحوارات التي دارت بين زوجات سالم؛ إذ بدت لي أحياناً محملة بأفكار عميقة وصياغات تأملية لا تليق -في وجهة نظري- بنساء القرية ولا بتفكيرهن البسيط، حتى شعرت بطغيان صوت الكاتب عليهن. ولا أقصد أن نساء القرى لا يمكن أن يحملن فكراً فلسفياً عميقاً، لكنهن مهما ارتفع تعليمهن يظل اللاوعي لديهن مرتبطاً بمخزون ثقافي محدود، يحمل في الغالب أفكاراً تغلب عليها الجهوية ومحدودية التفكير وآراء متعصبة، ولا أظنهن يستطيعن التحدث بهذا الأسلوب المنفتح الداعي إلى تقبل الآخر والتسامح. في المقابل، وجدت حوارات الرجال أكثر تنوعاً وأقرب إلى الواقع.
فالأحداث في القرى لا تُنسى بسهولة، ولا تنتهي الحكاية عند وقوعها، بل تتحول إلى علكة تلوكها الألسن في المجالس؛ همساً وتأويلاً وكذباً وافتراءً ونبشاً في الماضي. كل شخص يعيد رواية الأحداث من زاويته، فتصبح المجالس مصنعاً للسيناريوهات، بحسب أثر جمعان وسالم في كل واحد منهم، إيجابياً كان أم سلبياً، وبحسب ما إذا كان موقفه مبنياً على الحب والتعاطف أو على الحسد والشماتة. هذا الجانب شعرت بواقعيته الشديدة وقربه من الرجل القروي العربي الذي أعرفه وعاشرته جيداً بحكم مسقط رأسي القروي. ووجدت توازناً في الحوارات بين من يجيد الافتراء والتأويل، وصوت الحكمة والخطاب الأخلاقي، مما أضفى على الحوار تعدد الأصوات والحيوية.
ومن الشخصيات التي استوقفتني حقاً زوجة جمعان، التي رفضت أن تتاجر بدم زوجها كما فعل أبوه وعمه، فلم تنظر إليه كأنه وسيلة للثراء السريع، ولم تجمع المال على حساب موته، بل احترمت موته، واحترمت ابنها الذي يرى الأحداث ويسجلها، ويشاهد كيف يتلاعبون بموت أبيه ويريدون جمع أكبر قدر من المال عبر التفاوض في قيمة الدية. رفضت تلك الدية الكبيرة واكتفت بما يسدد ديونه ولم تتاجر بدم جمعان. ومع ذلك تمنيت لو أن الكاتب جعل سعدية تتزوج من سالم؛ فهل كانت ستبقى وفية لذكرى زوجها، أم ستتزوج وتنساه؟ لنرى كيف كان الكاتب سيعالج الشخصية حينها؟.
أما من ناحية البناء السردي، فأراه خطياً في مساره الأساسي، لكن ليس تماماً، إذ تتخلله استرجاعات إلى الماضي وحكايات جانبية. تبدأ الرواية برصاصة وقتيل عند البئر، ثم اعتراف، فخوف، فصلح، فدية، ثم استرجاع للماضي، فعلاقات الأبناء ومستقبل الأسرة، لتعود في النهاية عودة دائرية إلى الليل والبئر. وهذا ما تخيلته: سردية متتابعة يختمها إغلاق دائري، إن جاز لي هذا التعبير.
أما اللغة فكانت رفيعة وسلسة وشاعرية، خصوصاً في وصف الليل والقمر والطبيعة، بل حتى الصمت. غير أن هذه الشاعرية نفسها تكررت كثيراً، والليل تحديداً، وقد كان عنصراً فاعلاً يشارك سالم خوفه وقلقه وأفكاره وتردده. وتمنيت لو أن الكاتب عمل على تكثيف عباراته أكثر. لكن جو الرواية على العموم كان ممتعاً. وأكثر ما ميزها في نظري تحويل حادثة فردية إلى مساحة يتأمل فيها القارئ أهل القرية وهم يستهلكون القصة، وكيف ينعكس طابعهم الأخلاقي على صياغة حكاياتهم.
ومن أكثر ما أحببته في عالم الرواية قيمتها الاجتماعية، فقد وجدتها قريبة من عاداتنا وموروثنا في ليبيا، مثل التعاضد، وحمل المسؤولية، والوقوف مع الآخرين، والحرص على الروابط الاجتماعية. ورغم أن أحداثها تدور في بيئة سعودية، لم تبدُ لي تفاصيلها غريبة، بل ألفت فيها شيئا من بيئتنا العربية. وقد زادني هذا القرب تفاعلاً مع عالمها، فالمكان مختلف، لكن القيم والعلاقات التي تحرك الشخصيات مألوفة.
أما نهاية سالم فكانت من أكثر النهايات غموضاً وتعقيداً مما قرأت في حياتي.
قضى نحبه في البئر وهنا تنتهي الحكاية.
لماذا البئر تحديداً؟ ولماذا تكون نقطة البداية هي نفسها النهاية؟ ربما لأن البئر يحمل المعنيين معاً هو مصدر الحياة، وهو أيضاً الموضع الذي سقط عنده القتيل، فكأن الكاتب يقول إن الإنسان قد يغادر المكان ولا يغادر خطأه. تُطوى الصفحات، وتُدفع الدية، ويُعقد الصلح، ويبقى المكان الأول شاهدًا لا يتغير.
وهكذا نصل إلى ختام هذا المقال، عزيزي القارئ، وأشكرك على صبرك. فبعض الكتب نقرؤها أول مرة على عجل لنعرف ما جرى، ثم نعود إليها لنتأمل رموزها وسردها، لكنها مع ذلك لا تتركنا، بل تأبى أن تغادرنا، فنظل نفكر في تقنيتها وطريقتها وفي الأثر الذي خلفته فينا. وهذه الرواية، في رأيي، لم تكن عن الرصاصة بقدر ما كانت عما بعدها، وعن نجاح الكاتب في استثمار البيئة وعاداتها وتقاليدها لبناء عالم روائي ثري وجميل.
أحببت لغتها الشاعرية، وحضور المكان والشخصيات، وفي مقدمتها سعدية وسالم، والأسئلة الأخلاقية التي تخللت النص. حتى العبارات التأملية في القراءة الثانية أحببتها، لأنها تترك في ذهن القارئ وعياً وحافزاً لمراجعة النفس، وكسر لدائرة الموروث الثقافي المريض والخروج عنه.
وربما كانت أصدق الروايات تلك التي لا تمنحنا جواب، بل تتركنا وجه لوجه مع أسئلتنا، وربما كان أثقل ما في الحكاية ليس الرصاصة، بل الألسنة التي تعيد روايتها في المجالس كل ليلة.
.....
(*) كاتبة ليبية

أخبار ذات صلة