الناشري لـ"المدينة " : التكنولوجيا سهلت الحياة لكنها جعلت الإنسان أكثر ارتباطاً بالشاشات وأقل حضوراً في واقعه
سعد القابوسي - جدة23 أكتوبر 2026 18:113 دقائق قراءة
أكد المستشار الاجتماعي طلال محمد الناشري لـ"المدينة "، أن الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم أحدثت تحولات عميقة في طبيعة حياة الإنسان وعلاقته بمحيطه الاجتماعي، مشيراً إلى أن التقنيات الحديثة على الرغم مما وفرته من سهولة في التواصل وسرعة في الوصول إلى المعلومات وإنجاز الأعمال، أسهمت في تغيير أنماط التفاعل الإنساني، وأصبح حضور الإنسان في العالم الافتراضي ينافس حضوره في حياته الواقعية، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في كيفية استخدام هذه التقنيات بما يحفظ التوازن النفسي والاجتماعي. وأوضح أن الإنسان أصبح يعيش اليوم بين عالمين متداخلين؛ عالم واقعي يقوم على العلاقات المباشرة والتجارب الحياتية والمشاركة الاجتماعية، وعالم رقمي يتيح التواصل المستمر والتفاعل السريع، إلا أن المشكلة تظهر عندما يتحول العالم الافتراضي من وسيلة تخدم الحياة إلى مساحة تستحوذ على الوقت والاهتمام، وتصبح بديلاً عن اللقاءات الأسرية والمجتمعية والتجارب الإنسانية الحقيقية. وأضاف أن بعض الأفراد باتوا يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات، ويتابعون تفاصيل حياة الآخرين عبر منصات التواصل الاجتماعي، في حين يتراجع اهتمامهم بالتفاصيل الصغيرة في حياتهم اليومية، مثل الجلوس مع أفراد الأسرة، والاستماع إلى الأبناء، وزيارة الأصدقاء، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية ، وقد يبدو الإنسان متصلاً بالعالم طوال الوقت، لكنه في المقابل قد يشعر بالعزلة أو ضعف التواصل الحقيقي مع المحيطين به. وأشار الناشري إلى أن الإنسان المعاصر قد افتقد في بعض الحالات جانباً من التوازن المطلوب في حياته، نتيجة الاستخدام المفرط للتكنولوجيا وعدم القدرة على تنظيم الوقت وتحديد الأولويات ، فالتوازن لا يعني رفض التطور أو الابتعاد عن الأجهزة الذكية، وإنما القدرة على الاستفادة منها دون السماح لها بالسيطرة على تفاصيل الحياة اليومية أو التأثير سلباً في العلاقات الأسرية والاجتماعية. ولفت إلى أن المقارنة المستمرة بالآخرين عبر المنصات الرقمية قد تؤدي إلى الشعور بعدم الرضا عن الذات، خصوصاً عندما يقارن الفرد حياته الواقعية بما يشاهده من صور ومظاهر منتقاة لحياة الآخرين ، كما أن الانشغال الدائم بالإشعارات والمحتوى المتجدد قد يقلل من التركيز، ويضعف القدرة على الاستمتاع باللحظة الراهنة، ويجعل بعض الأفراد أقل حضوراً وتفاعلاً مع الأشخاص الموجودين حولهم. وبيّن أن الثورة التكنولوجية الحديثة ساعدت الإنسان كثيراً في مجالات التعليم والعمل والصحة والتواصل، وفتحت آفاقاً واسعة للتعلم وتبادل الخبرات وإنجاز المهام، لكنها في الوقت نفسه جعلته أكثر ارتباطاً بالشاشات، وأكثر عرضة للتشتت والاستغراق في المحتوى الرقمي، وربما أقل قدرة على الفصل بين أوقات العمل والراحة والحياة الخاصة. وأكد أن المسؤولية لا تقع على التكنولوجيا ذاتها، بل على طريقة استخدامها ومدى وعي الإنسان بتأثيراتها ، فالتقنية أداة يمكن أن تعزز جودة الحياة إذا استخدمت بوعي، وقد تتحول إلى مصدر للضغط والاستنزاف إذا غابت الحدود الواضحة بين الاستخدام المفيد والاستخدام المفرط. وشدد الناشري على أهمية بناء عادات يومية تساعد على تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية، من خلال تخصيص أوقات محددة لاستخدام الأجهزة، وتقليل تصفح منصات التواصل دون هدف، وإبعاد الهواتف أثناء الوجبات والجلسات الأسرية، إلى جانب تخصيص وقت للرياضة والقراءة والأنشطة الاجتماعية والزيارات العائلية ، داعياً الأسر إلى أن تكون قدوة لأبنائها في الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، من خلال تعزيز الحوار المباشر وتشجيع الأنشطة المشتركة، بدلاً من الاكتفاء بفرض القيود على الأطفال والمراهقين ، مؤكداً على أهمية نشر الوعي المجتمعي بالاستخدام المتوازن للتقنيات، وتعليم الأجيال الجديدة أن قيمة العلاقات الإنسانية لا تُقاس بعدد المتابعين أو الرسائل، بل بعمق التواصل والاهتمام المتبادل. واختتم المستشار الاجتماعي الناشري تصريحه بالتأكيد أن التحدي الحقيقي في عصر التكنولوجيا ليس في مواكبة التطور فقط، وإنما في الحفاظ على إنسانيتنا وسط هذا التسارع الرقمي، إذ إن النجاح لا يعني أن نكون متصلين بالعالم طوال الوقت، بل أن نعرف متى نستخدم التكنولوجيا ومتى نمنح أنفسنا والآخرين فرصة للحضور الحقيقي ، فالحياة المتوازنة هي التي تجعل التقنية وسيلة لتحسين حياتنا، لا بديلاً عنها.