شهدت الأوساط العلميَّة والثقافيَّة والأدبيَّة صدور النسخة المترجمة الجديدة من كتاب «حكاية سعوديَّة.. قراءات ووقفات بحثًا عن الوعي»، لمؤلِّفه معالي الأستاذ إياد بن أمين مدني، وزير الثقافة والإعلام الأسبق، والأمين العام الأسبق لمنظمة التَّعاون الإسلاميِّ.
وتولَّى نقل الكتاب إلى العربيَّة المُترجمُ الدكتور وليد بن بليهش العمري، ليأتي العمل في 376 صفحةً مشحونةً بالتأمُّل والعمق الفكريِّ الذي يلامسُ جوهر التجربة الإنسانيَّة والوطنيَّة.
ويُعدُّ كتاب «حكاية سعوديَّة» إضافةً نوعيَّةً وثمينةً للمكتبة الفكريَّة العربيَّة، وإضاءةً هامَّةً على تحوُّلات الوعي والهُويَّة في المنطقة من خلال منظار تجربةٍ وطنيَّةٍ ودوليَّةٍ فريدةٍ.
رحلة استكشاف لطبقات الهوية ومفهوم الوعييُقدِّم الكتابُ جولةً تأمليَّةً فريدةً في سيرة فكريَّة تقف على منابع الوعي ومجاريه؛ حيث ينطلقُ المؤلِّفُ من رُؤية فلسفيَّة، مفادها أنَّ الوعي ليس مجرَّد آراءٍ، أو معلوماتٍ، أو منظومةٍ قيم، بل هو حالةٌ شاملةٌ، وتكوينٌ متكاملٌ يصوغ إدراكنا للواقع، ويمنحنا رُؤيةً متكاملةً للعالم.
ويتحوَّل الكتابُ -في جوهره- إلى حوارٍ حميمٍ مع الذَّات حول معنى أنْ يكون المرءُ سعوديًّا، وعربيًّا، ومسلمًا في آنٍ واحدٍ.
ويطرحُ معالي الأستاذ إياد مدني، أسئلةً كُبرى تسكنُ الأعماق: هل بالإمكان أنْ تتصالح هذه الهُويَّات مع معطيات الحداثة؟ وما الحداثةُ حقًّا؟ وهل يمكن أنْ توجد «حداثاتٌ» متعدِّدةٌ، أم أنَّ المفهوم نفسه بات متقادمًا؟ إنَّها رحلةُ استكشاف لطبقاتِ الهُويَّة تسعى لتلمُّس الأجوبة التي تطمئن العقل، وتهدي القلب في زوايا الحياة.
الترجمة كحياة ثانية ومرآة للذات السعوديةمن جانبه، يصف مترجمُ الكتابِ الدكتور وليد بن بليهش العمري تجربةَ نقلِ هذا العمل بأنَّها «رحلة عيش في حياة ثانية، من خلال اللُّغة».
ويبيِّن الدكتور العمري أنَّ ترجمة هذا الكتاب بالذَّات كانت أشبه بنقلِ صدَى أصواتٍ مألوفةٍ تنبضُ في الداخل، ومحاولة لتقديم مرآةٍ تعكس وجوهًا من حياة السعوديِّين، وأسئلتهم التي تؤرِّقهم جيلًا بعد جيلٍ.
ويشيرُ العمري إلى أنَّ الرابط الذي يجمعه بالمؤلِّف هو «الرابط المديني» المنبثق من رحم المدينة المنوَّرة، بوصفها منبعًا روحيًّا وثقافيًّا يصوغُ أبناءَه صياغةً خاصَّةً، ويمنحهُم شحنةً من الوعي المتَّصل بالتاريخِ والقِيمِ العابرةِ للعُصور.
هذا الرابط جعل الترجمةَ مغامرةً فكريَّةً وشخصيَّةً لقراءة نصٍّ صاغهُ مؤلِّفٌ يمثِّلُ جيلًا استثنائيًّا عاصر تحوُّلاتٍ كُبرى، من بواكير التَّأسيس إلى بداياتِ الدولةِ الحديثةِ.
اعتراف بالفضل وعين ناقدة ومحبَّةوأشار الأستاذ إياد مدني إلى أنَّ صفحات هذا الكتاب، مهما كان قدرها، ما كان لها أنْ ترى النور لولا التَّشجيع والدَّعم والملحوظات القيِّمة التي تلقيتُها من أقارب وأصدقاء وكُتَّابٍ كثيرين أُدين لهم جميعًا بوافر الامتنان.
وتأتي في الطليعة زوجتي وأبنائي وابنتِي، إذ كانت كلماتُهم المشجِّعة لا تملأ قلبي فحسب، بل تجدِّد عزيمتي على مواصلة العمل.
والشُّكرُ أيضًا لأصحاب العلم، والباحثين الذين أسهمت مراجعاتُهم الدَّقيقة في تحسين بنية النصِّ وسلاسته، وفي مقدِّمتهم عالم الاجتماع السعودي أيمن مدني، والباحثة البريطانيَّة شيناز بنغلاوالا، والمستشارة الإبداعيَّة جايل غريفيث، والأستاذ المشارك في الجامعة الإسلاميَّة الدوليَّة بماليزيا الدكتور امتياز يوسف، والدكتور عبدالرحمن أمين مرغلاني (أحد القلائل من السعوديِّين الحاصلين على الدكتوراة في المسرح)، والأديب والمؤرِّخ محمد طارق غازي.
كما خصَّ بالشكر السيد ميرزا محمد نواب، زميله لأكثر من أربعين عامًا، الذي راجع المسودات بعين ناقدة ومحبَّة.
بنية الكتاب وأقسامه الخمسةيتوزَّع الكتابُ عبر صفحاته الـ376 على خمسة أقسام رئيسة تبحرُ بالقارئ في عوالم الفكر والسياسة والاجتماع:
* القسم الأول (مكوِّنات وأطر): ويناقش فجر الوعي، والمنصَّة الصحفيَّة، وبزوغ النِّظام العالميِّ الجديد، والبحث عن الطمأنينة.
* القسم الثاني (منظومة مجتمعيَّة مُثلى): ويستعرضُ أركيولوجيا الإرادة العامَّة، والإنسان المتفرِّد.
* القسم الثالث (الجنوب العالمي، في أثر الأصالة): ويتناول البحث عن مسار وقضايَا الهُويَّة واللَّون.
* القسم الرابع (الآفاق اللَّصيقة): وفيه إبحارٌ بحثًا عن رُؤية إسلاميَّة للعالم، ومعضلة العرب، والسرديَّة السعوديَّة.
* القسم الخامس (الحصيلة): ويقدِّم فيه المؤلِّفُ خلاصةَ هذه الرحلة التأمليَّة الطويلة، متبوعًا بالملاحق والحواشي والمراجع العربيَّة والإنجليزيَّة، وأخيرًا الفهرس.
مدني.. مسيرة وطنية ودولية حافلة بالعطاء والتميزيأتي هذا الكتاب؛ ليتوِّج مسيرة مؤلِّفه معالي الأستاذ إياد أمين مدني، الشخصيَّة العامَّة والكاتب والصحفي السعودي البارز.
فقد تقلَّب معاليه في مجالات التنمية البشريَّة والتَّسويق، وانخرط في العمل الإعلاميِّ تحريرًا وإدارةً، قبل أنْ يخدم وطنه عضوًا في مجلس الشورى، ثمَّ وزيرًا للحجِّ، فوزيرًا للثقافة والإعلام حتى مطلع عام 1430هـ؛ ليكون بعدها أوَّل سعوديٍّ يشغل منصب الأمين العام لمنظَّمة التعاون الإسلاميِّ، وهي منظَّمة سياسيَّة تضم ٥٧ دولةً عضوًا، وخلال مسيرته المهنيَّة، أُتيحت له الفرصة لزيارة أكثر من ٦٠ دولةً حول العالم.
وقد نشأ الأستاذ إياد في بيئة ثقافيَّة رصينة؛ فوالده السيد أمين مدني يُعدُّ أحد روَّاد الحركة الفكريَّة والبحث التاريخي في المملكة، ووالدته السيدة نثار يحيى زكريا، كانت من تلك القلة من النساء اللاتي تعلَّمنَ القراءة والكتابة في زمنها، ولها مساجلات صحفيَّة عن مكانة المرأة في المجتمع».