أخبار الشركات

أمراض القلب لا تبدأ فجأة... عوامل الخطر تتراكم بصمت

من الكشف المبكر إلى الإقلاع عن التدخين... الوعي والثقة بين الطبيب والمريض أساس الوقاية

06 نوفمبر 2026 21:46 7 دقائق قراءة
قد تبدو النوبة القلبية وكأنها حدث مفاجئ لا تسبقه أي مؤشرات؛ فيتساءل المحيطون بالمصاب: كيف حدث ذلك وهو الذي كان يبدو بصحة جيدة قبل ساعات، وربما دقائق؟ لكن ما يبدو مفاجئاً في ظاهره قد يكون في الحقيقة نتيجة عوامل خطر تراكمت داخل الجسم على مدى سنوات، من دون أعراض واضحة تنبّه إلى وجودها.
ويؤكد الدكتور شريف بكير، استشاري أول أمراض القلب في دولة الإمارات، أن غياب الأعراض لا يعني بالضرورة أن الإنسان يتمتع بصحة جيدة. فكثير من عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية تتطور بصمت، وقد لا تُكتشف إلا من خلال الفحوصات الدورية.
ويشير إلى أن الاعتقاد بأن عدم وجود ألم أو شكوى صحية يعني عدم وجود مرض قد يؤخر اكتشاف حالات تستدعي التدخل المبكر. كما يلفت إلى بيانات ودراسات تفيد بأن نسبة كبيرة من المصابين بجلطات القلب أو السكتات الدماغية قد لا تظهر لديهم أعراض تحذيرية واضحة قبل الإصابة.
ومن أبرز عوامل الخطر التدخين، وارتفاع الكوليسترول، والسكري، وارتفاع ضغط الدم؛ وهي حالات قد تستمر سنوات من دون أعراض واضحة، رغم ما قد تسببه من أضرار للقلب والأوعية الدموية.
ويبرز ارتفاع ضغط الدم بشكل خاص، إذ يُعرف بـ«القاتل الصامت» لأنه لا يسبب أعراضاً واضحة في كثير من الحالات. ويلفت الدكتور شريف إلى اعتقاد شائع يربط ارتفاع ضغط الدم بالصداع بصورة مباشرة، موضحاً أن هذا الارتباط لا ينطبق على معظم الحالات.
فقد يكتشف شخص ارتفاع ضغطه أثناء زيارة الطبيب بسبب الصداع، فيفترض أن الضغط هو سبب الألم، ثم يعتقد بعد زوال الصداع أن المشكلة قد انتهت ويتوقف عن تناول العلاج. لكن اختفاء الأعراض لا يعني بالضرورة عودة ضغط الدم إلى مستوياته الطبيعية، وقد يؤدي وقف العلاج من دون استشارة الطبيب إلى مضاعفات خطيرة.
ولا تبدأ الوقاية بالضرورة عند البلوغ. فبحسب الدكتور شريف، يمتد مفهوم الوقاية إلى مراحل مبكرة من الحياة، من خلال فهم التاريخ الصحي للوالدين ومتابعة عوامل الخطر لدى الأم أثناء الحمل. ويشير في هذا السياق إلى دراسة نُشرت عام 2022 ربطت بين وجود بعض عوامل الخطر لدى الأم أثناء الحمل واحتمال ظهور مشكلات قلبية لدى الأطفال لاحقاً.
الإقلاع عن التدخين... أكثر من مجرد قوة إرادة
إذا كانت بعض عوامل الخطر تتطور بصمت، فإن التدخين يطرح تحدياً مختلفاً؛ فمعرفة أضراره لا تعني بالضرورة القدرة على التوقف عنه.
ويرفض الدكتور شريف اختزال الإقلاع عن التدخين في قوة الإرادة وحدها، موضحاً أن الاعتماد على النيكوتين يرتبط بتغيرات عصبية، إلى جانب ارتباط التدخين بأنماط سلوكية وعادات يومية متكررة.
فالنيكوتين يؤثر في مستقبلات محددة في الدماغ، ومع الاستمرار في استخدامه تتعزز آليات الاعتماد عليه. وعند التوقف عن التدخين، تبدأ هذه المستقبلات تدريجياً في التكيف مع غياب النيكوتين، إلا أن الارتباطات المرتبطة بالتدخين قد تستمر لفترات طويلة، وهو ما يساعد على تفسير احتمالية الانتكاس حتى بعد فترة من الإقلاع.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الجسدي. فبالنسبة إلى كثير من المدخنين، ترتبط السيجارة بتفاصيل الحياة اليومية: فنجان القهوة، وقيادة السيارة، ومشاهدة مباراة، أو لحظات الاسترخاء والتواصل الاجتماعي.
ومع تكرار هذه الارتباطات، يتحول التدخين إلى جزء من الروتين اليومي، ليصبح التخلص منه أكثر تعقيداً مما قد يبدو للآخرين.
ومن هنا، يؤكد الدكتور شريف أن الانتكاس لا ينبغي أن يُفسر بوصفه ضعفاً في الإرادة، بل باعتباره جزءاً محتملاً من طبيعة الاعتماد وتعقيداته البيولوجية والسلوكية. كما أن تكرار محاولات الإقلاع، خصوصاً مع الدعم الطبي والعلاجات المناسبة، قد يعزز فرص النجاح.
عندما يصعب الإقلاع... الدعم وتقليل الضرر
بالنسبة إلى المدخنين البالغين الذين لا ينجحون في الإقلاع، يبرز مفهوم «الحد من الضرر»، وهو نهج يقوم على تقليل الأضرار المرتبطة بسلوك معين عندما يتعذر التوقف عنه بشكل كامل.
ويشبّه الدكتور شريف هذا المفهوم باستخدام حزام الأمان في السيارة: فهو لا يمنع وقوع الحادث، لكنه قد يقلل من خطورة عواقبه.
وانطلاقاً من ذلك، يدعو إلى التعامل مع المدخن كشخص يحتاج إلى الدعم والمساعدة، بعيداً عن اللوم. ويؤكد أن الإقلاع الكامل عن التدخين يظل الخيار الأفضل، لكنه يرى أن المدخنين البالغين الذين لا يستطيعون الإقلاع يمكن النظر معهم في بدائل خالية من الاحتراق بهدف خفض تعرضهم لبعض المواد الضارة الناتجة عن حرق التبغ.
ويوضح أن عملية احتراق التبغ تنتج آلاف المواد الكيميائية، من بينها أول أكسيد الكربون ومواد أخرى يمكن أن تلحق الضرر بالقلب والأوعية الدموية.
وفي المقابل، فإن المنتجات التي لا تعتمد على عملية الاحتراق، ومنها منتجات تسخين التبغ والسجائر الإلكترونية وأكياس النيكوتين، قد تقلل مستوى التعرض لعدد من المواد الكيميائية الضارة مقارنة بالاستمرار في تدخين السجائر التقليدية.
لكنه يشدد على أن هذه المنتجات ليست خالية من المخاطر، ولا ينبغي استخدامها من قبل غير المدخنين أو من هم دون السن القانونية. وينحصر النقاش حولها، في إطار الحد من الضرر، بالمدخنين البالغين الذين كانوا سيستمرون في تدخين السجائر التقليدية.
وفيما يتعلق بالنيكوتين، يشير الدكتور شريف إلى أن تدخين السيجارة التقليدية قد يؤدي إلى ارتفاع مؤقت في ضغط الدم ومعدل ضربات القلب. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أهمية التمييز بين التأثيرات الفسيولوجية للنيكوتين وبين الأضرار المرتبطة بالمواد السامة الناتجة عن احتراق التبغ، مع التأكيد أن النيكوتين يسبب الاعتماد وأن المنتجات المحتوية عليه ليست خالية من المخاطر.
وبذلك، فإن مفهوم الحد من الضرر، وفق هذا الطرح، لا يهدف إلى تشجيع التدخين أو بدء استخدام النيكوتين، وإنما إلى تقليل الضرر لدى المدخنين البالغين الذين لم يتمكنوا من الإقلاع، مع بقاء الإقلاع الكامل هو الخيار الأفضل.
الطبيب والمريض... شراكة تقوم على الفهم والثقة
ولا تقتصر الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية على التعامل مع التدخين، بل تشمل أيضاً ارتفاع ضغط الدم والسكري والسمنة واضطرابات الكوليسترول وغيرها من عوامل الخطر التي تتطلب المتابعة والعلاج.
لكن نجاح العلاج لا يتوقف على وصف الدواء أو تقديم النصيحة وحدهما، بل يعتمد أيضاً على طبيعة العلاقة بين الطبيب والمريض.
ويرى الدكتور شريف أن هذه العلاقة لا ينبغي أن تقوم على نموذج «الأستاذ والتلميذ»، بحيث يكتفي الطبيب بإصدار التعليمات أو توبيخ المريض بسبب سلوكه أو عدم التزامه؛ إذ قد يؤدي هذا الأسلوب إلى نفور المريض وتقليل استعداده للتعاون.
وبدلاً من ذلك، يحرص في عيادته على شرح الحالة الصحية باستخدام الصور والوسائل التوضيحية، بما يساعد المريض على فهم ما يحدث داخل جسمه، وإدراك أسباب العلاج وأهميته. فكلما كان المريض أكثر فهماً لحالته، أصبح أكثر قدرة على المشاركة في القرارات المتعلقة بصحته.
ويستشهد الدكتور شريف بدراسة شارك فيها مع عدد من زملائه في أبوظبي، وشملت 12 ألف مواطن كانوا يحصلون على أدوية ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والسكري مجاناً. وبحسب ما يورده، أظهرت الدراسة أن نسبة كبيرة منهم توقفت عن تناول العلاج.
وعند البحث في الأسباب، برزت عوامل عدة، من بينها غياب الأعراض، والخشية من الاعتماد على الأدوية، وتفضيل بعض المرضى اللجوء إلى الأعشاب.
وتكشف هذه النتائج عن فجوة مهمة بين توافر العلاج وفهم الحاجة إليه. فغياب الألم لا يعني اختفاء المرض، كما أن عدم الشعور بأعراض لا يعني أن عامل الخطر أصبح تحت السيطرة.
ومن هنا، يصبح شرح الحالة للمريض جزءاً أساسياً من العلاج، لا مجرد خطوة إضافية؛ لأنه يساعده على فهم عوامل الخطر والتمييز بين غياب الأعراض والسيطرة الفعلية على المرض، ويمنحه دوراً أكبر في اتخاذ قرارات صحية واعية.
الوقاية تبدأ بالوعي والمتابعة
تتقاطع رسائل الدكتور شريف عند فكرة أساسية: لا ينبغي انتظار ظهور الأعراض لبدء الاهتمام بصحة القلب.
فبعض عوامل الخطر قد تتطور على مدى سنوات من دون إنذار واضح، بينما يتطلب اكتشافها والسيطرة عليها فحوصات دورية، ومتابعة طبية، والتزاماً بالعلاج، إلى جانب تغييرات سلوكية واقعية وقابلة للاستمرار.
وبالمثل، فإن مساعدة المدخن على الإقلاع تتطلب فهماً لطبيعة الاعتماد على النيكوتين والعادات المرتبطة بالتدخين، وتوفير الدعم المناسب له بدلاً من اختزال المشكلة في قوة الإرادة.
وبين الكشف المبكر، والمتابعة المستمرة، والتعامل الواقعي مع السلوكيات الصحية، وبناء علاقة قائمة على الثقة بين الطبيب والمريض، تصبح الوقاية مساراً مستمراً، لا إجراءً مؤقتاً يبدأ فقط عند ظهور الألم أو اكتشاف المرض.
فحماية القلب قد تبدأ بخطوة بسيطة: اكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى أعراض، والتعامل معه قبل أن تصبح عواقبه أكثر صعوبة.

أخبار ذات صلة