undefined

«مخطوطة القرى والظلال» بين سطوة الجمهور وسلطة النقد و«حنايا» النخب المزعومة!.

بعد قصيدة «مخطوطة القرى والظلال»، انحسر المشهد الثقافي عن جليد النقد؛ ليكشف عن مقدار التباين الصارخ في مستوى الذائقة الشعريَّة.

13 ديسمبر 2016 23:43 دقيقتان قراءة
بعد قصيدة «مخطوطة القرى والظلال»، انحسر المشهد الثقافي عن جليد النقد؛ ليكشف عن مقدار التباين الصارخ في مستوى الذائقة الشعريَّة. يُحمد لهذا التباين تحريكه للساحة النقديَّة الراكدة، فكان جمهور المتلقِّين قد انقسم على فسطاطين: جمهور ذوَّاق في جملته، ساخر مترصد لعتبات المنصَّة الشعريَّة، متعطش للوقيعة بكل ما هو متهافت للنَّيل منه، لا يرحم مَن وقع تحت سطوته حتَّى يقع على فريسة أخرى تنسيه مَن كان بين يديه، هذا الجمهور التقى مع النخبة الفعليَّة التي تمارس حقيقة النقد المنهجيِّ، فأوَّلت له نصَّ القصيدة، ووقفت على مكامن الخلل، والتهاوي الشعري، ووضعت يدها على التفاصيل، بدءًا من ضعف النسج، وتفكك بُنى التلاحم الشعريّ لأجزاء القصيدة، واختلال التراكيب المبتذلة، وضعف المعاني وضبابيَّتها، ومرورًا بقصور المجازات والصور عن أدائها التخيّيلي... دون إغفال للأداء الرخيم الذي لا يتناسب بحال من الأحوال مع مقام المدح، فضلاً عن المثول به بين يدي ملك العزم والحزم، الذي لازالت تقرع على حدِّه الجنوبي طبول الحرب..
وفسطاط آخر محسوب إعلاميًّا على النُّخب النقديَّة، وهو في حقيقته فريق مخلَّط بين أناس لم يمارسوا الاختصاص النقديّ عن دراية ثاقبة، ووعي كامل وانشغلت بإدلاءاتها المبسترة بقضايا استطلاع الرأي المختلفة، وأحداث الساعة، وما استجدَّ على الساحة، وآخرون يمارسون الثقافة الفوقيَّة من برج عتيق ظنًّا منهم أنَّه يتيح لهم رؤية الأشياء التي لا يراها سوى الرهبان المتبتلون في صوامعهم، في شيء لا يحمل مؤهلات القداسة أصلاً، فتجرَّدوا من أدوات النقد، وغاب عنهم المنهج والذوق؛ فعجزوا عن التعليل؛ فابتعدوا عن النصِّ، ولم يدندنوا حتَّى حوله سوى بما كان يحمله الشاعر من رصيد رطب في الموهبة والمنجزات الطلائعيَّة التي لم يحكم قبضته منها، بعد فانسكبت منه على أفخم بلاط، وعند أشرف موقف، فصرفوا القضية بذلك، بتحويلها عن ساحة النقد الأدبي المنهجي إلى ساحة التأجيج الفكريّ والطائفيّ، وباتوا يسفِّهون المجتمع ويؤدلجونه في الوقت الذي هم يمارسون بحيدر ما يشبه بكائيَّات القوم ولطامياتهم.
وهذان المشهدان ينمَّان عن حقائق لا يمكن إغفالها في الواقع العام، وهي أن الوعي المجتمعي على الصعيد الأدبي والنقدي، وعلى كافة الصعد، وشتَّى المجالات تقريبًا أصبح يشهد تناميًا شعبيًّا ملحوظًا في المعرفة والفهم والاستيعاب ولا يعوزه سوى غياب لحظات التفاصيل التي هي محل عناية المتخصِّصين المشتغلين الفعليين، مقابل انقشاع الصبغة العلميَّة عن محتكري المنصَّات الرسميَّة والمحسوبة الذين يفترض أن يعوَّل على آرائهم النقديَّة، والذي كان لهم القول الفصل في تصنيف مكانة الشعراء ما قبل عهد الإعلام الحر الجديد!
(*) أكاديمي بلاغة ونقد - جامعة الباحة