أخذت القصيدة التي ألقاها الشاعر حيدر آل عبدالله، في حفل استقبال أهالي المنطقة الشرقيَّة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- أبعادًا شتَّى، وتلقيات متفاوتة، وصدى شعبيًّا متنوِّع
أخذت القصيدة التي ألقاها الشاعر حيدر آل عبدالله، في حفل استقبال أهالي المنطقة الشرقيَّة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- أبعادًا شتَّى، وتلقيات متفاوتة، وصدى شعبيًّا متنوِّعًا. ولأن النصَّ مدار البحث، ومقصد الدرس النقدي؛ فستكون هذه الرحلة في النصِّ الحيدريِّ؛ لاستنطاق مكامن الجمال فيه بعيدًا عمَّا صاحبه من هالة على طرفي المنحنى. تبدأ القصيدة من خلال العنوان «مخطوطة القرى والظلال»؛ ولأنَّ العنوان هو العتبة الأولى للنصِّ، باعتباره عملاً بعديًّا لا قبليًّا، فهو اختيار الشاعر ليكون سفيرًا ومبتدأ لنصِّه. ولأنَّ المخطوطة ما كُتب بخطِّ اليد، والقرى مكان اجتماع الناس، والظلال الدوح الذي يقيك حرَّ الصعاب.. الأمن والطمأنينة؛ فكأنَّما العنوان وثيقة مكتوبة لاجتماع الناس للعيش في دعة وأمن، وكأنَّما العنوان يحمل رسالة النصِّ ودعوته للإقبال على الحياة، والإنحياز لها. ولا يخفى أنَّ الانتصار في بناء الحياة لا الموت! أمَّا البناءُ اللغويُّ في النصِّ، فقد اعتمد بحرَ الخفيف، وقافية نونيَّة تساعد على حضور (نا) الفاعلين بزخم؛ ليشكل صوتًا جمعيًّا واضحًا. كما قام البناءُ اللغويُّ للنصِّ على استحضار الثنائيَّات، وفق الصور التالية: * أولاً: ثنائيَّات التكامل: وقد أعطت هذه الثنائيَّات اتِّساعًا للمعنى، وتعميقًا لمفهوم الانحياز الجمعي للحياة، ومن أمثلتها (النبات - الإنسان)، (أرضًا وشعبًا)، (يحب كلينا - نحب كلانا)، (النخيل - القرى)، (تسامحًا- أمانًا) ...الخ. ولا يخفى أنَّ هذه الثنائيَّات تحقق المعنى الوجودي، واستمراره للآخر، فلا معنى لأرض بلا شعب، ولا تشكّل لشعب بلا أرض، وهكذا ...! * ثانيًا: ثنائيَّات التضاد: وقد برزت هذه الثنائيَّات بصورة تعمِّق الصراع أو الافتراق، مثل (الموت - الحياة)، (الأبوة - اليتم)، (الليل - الفجر)، (أفراح - أشجان)، (الفناء - العيش)، فكأنَّما كانت ثنائيَّات التضاد دعوةً ضمنيَّة للتكامل لما يتمثَّل فيها من عمق الافتراق حدَّ الألم. * ثالثًا: ثنائيَّات الإثبات والنفي: وذلك من خلال كم الأفعال المثبتة، والأخرى المسبوقة بنفي، مثل: (زدنا - لم تزدنا)، (تنام - لا تنام)، (كان - مازال)، (اشتهى - لا يريد)، فضلاً عمَّا ورد من أفعال نفي متكرِّرة مثل: لا تتوانى - لا نرتضي - لا يريد - لا نزكِّي ...الخ. وللنفي دلالاته النفسيَّة والبلاغيَّة، والخروج إلى القصر، والاستثناء، والتوكيد، وجميعها ممَّا يخدم معاني النصِّ. * رابعًا: ثنائيَّات الاندماج: وهي التي يظهر فيها التوحُّد والانصهار في بوتقة واحدة، مثل (يحب كلينا - ولياه - يملآن - يحميان - يداه ...)، وهو ممَّا يؤكِّد أنَّ الكون كلَّه يقوم على الثنائيَّات (الخير والشر - الليل والنهار ...) لكنَّ الثنائيَّات يمكن لها أن تتناغم.. أن تنصهر لتعمل وفق رؤية واحدة، وهدف واحد. * خامسًا: ثنائيَّات المعاني والصور: يستهلُّ الشاعر نصَّه بكلمة (وطن) منكرةً منوَّنةً، وفي ذلك ما فيه من جمال بلاغي، يجعل التنكير تأكيدًا على عَلَميَّة الوطن واشتهاره، ويجعل تنوين الضمِّ تأكيدًا على هذا الوطن. ثم يثني بمفردة منتقاة بعناية (دون)؛ لتؤكِّد ارتفاع هامة الوطن، وسموقه، والتسابق إلى التفاني دون حياض هذا الوطن. ثمَّ يأتي في عجز البيت بمعنى آخر يستكمل به الثنائيَّة، مع ما ورد في صدر البيت.. (وعن العيش فيه لا نتوانى)؛ ليؤكِّد التضحية للوطن في الشطر الأول، لكنَّها تضحية لا تجعلنا نتكاسل، أو نتباطأ في صنع الحياة فيه، ليؤكِّد أنَّ التضحية بالروح تفدية له، وإعلاء للحياة، لا يأسًا من الحياة فيه. ثمَّ يبرز تقابل الثنائيَّات فيما بين البيتين الثاني والثالث (الحي - الشهيد) في جمال لافت، ثمَّ تتَّضح الثنائيَّة أكثر في البيت الرابع: لا تقل الحياة فيه عن الموت فداه إنْ لمْ تجاوزه شأنا وهي زيادة تأكيد على الانحياز لصناعة الحياة، وكونها مقدمة على الموت. ويتنامى التأكيد من خلال البيت التالي: فبلاد تنمو أضر وأودى بمرامي عدوها أحيانا فالإقبال على الحياة وصناعتها عبر تنمية البلاد تفويت لغايات العدو في بعض حين، ما لم تكن الحرب لا مفرَّ منها، وخيارَ مَن لا يملك خيارًا. ويسترسل الشاعر في الثنائيَّات المتقابلة: ستظلُّ البلادُ خضراءَ خضراءَ تظلُّ النباتَ والإنسَانَا والخضراء: أصلُ كلِّ شيء، والبلاد خضراء بتنميتها وخيراتها، في سموقها، وفي شعارها، في نفوس أناسها. وتستمر الثنائيَّة في المعنى حضورًا في النصِّ الحيدريِّ: وستحيَا البلادُ أرضًا وشعبًا طالَمَا كانَ شيخُهَا سلمَانَا يقابلُ مكوِّن حياة البلاد (الأرض والشعب)، بمكوِّن الحكم (الحكمة والقوة).. ثمَّ يقابل بين حبَّين: المليكُ الذِي يحبُّ كلينَا والمليكُ الذِي نحبُّ كلانَا و(كلينا، كلانا) هنا قد تعودان على المكوِّن المجتمعيِّ المتنوِّع، وقد تعودان على الأرض والشعب، الواردين في البيت السابق. وتستمر ثنائيَّة الشطرين في البيت الواحد بقوله: منذُ زدنَا تنوُّعًا فِي المعانِي لمْ تزدْنَا يداهُ إلاَّ احتضَانَا فزيادةُ التنوُّع المجتمعي المختلف، الذي هو أصل الخليقة عِرقًا، ولونًا، وأفكارًا، تقابله زيادة الاحتضان الملكي، و(يداه) تعبِّران عن احتضان كلِّ التيارات، سواء عن يمينه، أو عن يساره. وتتجلَّى الثنائيَّة المعنويَّة في قوله (يا مُنى أرضِنَا وأرض منَانَا) فهو (للأرض) أمنية وتطلُّع، وهو (للشعب) موضع تطلُّع وأمان، قابلة للتحقق على أرض الواقع، وإلاَّ أصبحت نوعًا من الوهم، أو أحلام اليقظة. ثمَّ يعبِّر الشاعر عن مكانة (أبانا)، والاعتزاز به، وبقيادته في زمن كثرت فيه الخطوب والإحن؛ حتَّى أصبح اليتمُ أممًا، ولا يخفى جمال التركيب في (أمم اليتم). وفيما يخصُّ البيتين: خيمةٌ في الهجيرِ كنت وفِي البردِ وفِي جوفِهَا تنامُ قرانَا كنت طيفًا ألوانه نحنُ والماءُ علَى الأرضِ يشربُ الألوانَا فلا يتَّضح معناهما إلاَّ بهما معًا. وهي صورة رائعة؛ فهو يمثل رعاية الممدوح، واهتمامه بالطيف الذي يشكِّل نصف دائرة (قوس قزح)، تكون ألوانه هي المكوِّن المجتمعيّ، والماء الجاري بين الحقول والخمائل يشرب هذه الألوان؛ لينعكس على صفحته جمالاً وحُسنًا. وقد يُراد بالماءِ الحياة، فتشرب تنوُّعنا قبولاً. ولأن قوس قزح قرين المطر؛ فهذا الطيف الذي يشكِّل نصف دائرة يبدو كخيمة لنا في الهجير، وفي البرد لتنام قرانا في جوف هذه الخيمة، والمعنى أن الرعاية الملكيَّة أشبه بالخيمة التي تحتضننا. ثمَّ إنَّ قوس قزح، وهو يطوِّق هذه الألوان، بمثابة الحنايا التي تحتضنها، فهي موهوبة للألوان (نحن)، والألوان موهوبة لها في تناغم بديع يكمل جمال لوحة الحبِّ عبر قول الشاعر: فالحنايَا وهبتنَا إيَّاهَا والحنايَا وهبتهَا إيَّانَا ولا يفوتنا الإشارة لبراعة الشاعر في التقاط كلمة (الحنايا)، ومفردها حنية، بمعنى القوس، وهذا الانتقاء وشواهد أخرى سنشير لها تؤكِّد أنَّ الشاعر لا يصدر في ألفاظه عن فراغ، وإنَّما بوعي عميق بدلالاتها. ولأنَّ الممدوح كالطيف الذي يحتضن الجميع في كلِّ وقتٍ، ويشمل برعايته القرى بكلِّ مكوِّناتها وبيوتها؛ لذلك فنحنُ لا نسكن البيوت؛ لأن سكنانا إنَّما في فؤاد الممدوح.. (والفؤاد غير القلب في تأكيد على دقة الانتقاء)، الذي لن تتَّضح صورة رعايته ما لم تستحضر الصورة الذهنيَّة للغيث/ لقوس قزح، وهو يشكِّل نصف دائرة - كالخيمة التي تحتضن القرى، والطرقات معبِّرة عن هذا المعنى. ولأنَّ رعايته واهتمامه بهذه الصورة القزحيَّة المطلَّة على الجميع، فنحن مدار بصره وعنايته، وهنا انتقال بالتشبيه والصورة، فكأنَّ القوس يمثل (عينه) التي نحن فيها، ولذلك فلا مجال للتعجُّب أن يكون له مكان في العيون؛ لأنَّنا نحن المحبون له فيها ابتداءً: نحنُ في عينهِ فلاَ عجبَ أنَّ لهَ داخلَ العيونِ مكانَا وتستمرُّ الثنائيَّة في المعنى في قوله: نحنُ لولاهُ لا ننامُ وندرِي أنَّهُ يرقدُ الدُّجَى لولانَا وهنا لطيفة لغويَّة؛ فقد نفى النوم عن الشعب، لولا هذه الرعاية التي تمَّ بيان صورتها؛ لكنَّه لم ينفِ عنه النوم كليَّة، وإنما استخدم (يرقد)؛ لأنَّ الرقادَ هو النوم الثقيل، وقد عدَّه الثعالبي ثامن مراتب النوم؛ لكنَّه لم ينفِ عنه النوم، والمعنى الآخر مرتبط بكوننا في عينه، ولهذا فنومه نوم الحارس المستيقظ لمصالح شعبه، ولأنَّه لو رقد لأطبقت علينا عينه كليَّة، ونحن بداخلها، ولمُتنا مع طول الإطباق، ولهذا فهو يسهر خوفًا علينا، خوفَ الأب على أبنائه، وهو الخوف المحبب في المدح لدلالاته الإنسانيَّة. كما لا يخفى في هذا البيت شاهد على دقة الاستعمال اللغويّ لدى الشاعر، فعبَّر بـ(ندري)، ولم يقل نعلم -مثلاً- لأنَّ الدِّراية تعني الفهم، وهي مرحلة بعدية للعلم. ويستمر الشاعر في متابعة الصورة: (وولِّياهُ يحمِيَانِ حمانَا)، والصورة هنا جمالٌ على جمالٍ فولَّياهُ تنصرف إلى نائبيه اللذين يشبههما بحارسي العين التي نحن فيها، ولهذا فهما يشيران إلى الليل الدال على النوم، والدال في بعض معانيه على العتمة.. الخطر.. وكأنَّما ولَّياه يومئان إلى الخطر، فندفعه مبكرًا، أو إلى النوم فنغشاه، ونبدده قبل أن يغشانا، فتطبق العين علينا، وهنا نعود إلى بيت سابق سيتَّضح جليًّا: نحنُ لا نرتضِي سواهُ وندرِي أنَّهُ لا يريدُ شعبًا سوانَا فأنْ تكونَ في عين إنسان ما تكريمٌ ليس بعده تكريم، فما بالك وهو المليك المفدَّى، الذي يمتلك إرادة الاختيار لمن يشاء، ولأنَّه اختارنا ووضعنا في عينه، فنحن ندرك أنَّه لا يريد غيرنا، فنحن ملء (فؤاده).. (ولنقف على دقة اختيار مفردة (يريد). ثمَّ ينتقل لمدح أمير المنطقة الشرقيَّة ظاهرًا، بينما هو يمدح اختيار المليك في ثنائيَّة المعنى عندما يقول: وسعودُ أميرنَا وسعودا لا نزكِّي لأنَّه أزكانَا والمعنى أنَّنا (الأهالي) لن نزكِّيه؛ لأنَّه أزكانا عند المليك، ولهذا عيَّنه لنا أميرًا، ولا تزكية بعد هذه التزكية! وهذا يندرج ضمن أدب الخطاب الراقي. ثمَّ ينتقي مفردة لغويَّة فصيحة، ابتذلت بالاستخدام على وجه ضيِّق، بينما تعني في اللغة: المداومة على الشيء، ولا محفل تشريف لها كهذا؛ لتكون شاهدًا على ثراء لغتنا: (أدمنتهُ) نخيلُنَا وقرانَا مطرًا فوقهنَّ واطمئنانَا إنَّه الغيثُ.. الخيرُ.. الأمنُ والطمأنينةُ لنصنع الحبَّ في البلاد: هكذَا تجبلُ البلادُ علَى الحبِّ بِكم كلَّما الغمامُ سقانَا وهنا تقديم ما حقّه التأخير، وإلاَّ فالمعنى كلَّما الغمام بكم سقانَا؛ لأنَّه المطر، والمطر لا ينقطع كما سبق. ولأنَّ الغمامَ أحد معانيه البياض، والبياض والحبّ صنوان لا يفترقان، ولا غرابة كذلك أن تشيع هذه الألفاظ الدالة على خطاب أسري مترف بالحب (شيخنا - بيوت - فؤاد سكنانا - أبانا - حمانا ...)، إنَّها أسرة تعيش الحبَّ، في بلاد ترعى تطلُّعات أبنائها في كل أحوالهم. والعينُ أشبهُ بالوردةِ التي نرتدِي شذاها، وشذى العين إبصارها، لكن إذا ما الموت - الخطر - توجَّه نحونَا، فهي تطبق علينا كالقبر حمايةً لنا. ولذلك فهذه البلاد ستحيا بمكوِّناتها، طالما كان شيخها سلمان في معنى، وسليما معافى من الأذى في معنًى ثانٍ. ولا يخفى أنَّ هذا التعدُّد المعنوي ثراءٌ للنصِّ. والنصُّ -بما سبق- يفيضُ بلغته الأسريَّة الآسرة، ولا غرابةَ في ذلك؛ فالممدوحُ هو المليك المفدَّى، الحفيُّ بالثناءِ الذي استلهمه الشاعر شعرًا متجاوزًا لمألوف شعرِ المناسبات.