تصرُّفات الصغير المميِّز 2-2 تصرُّفات الصغير المميِّز 2-2
ختمت المقال السابق بسؤال هل تصحُّ تصرُّفات المميِّز من بيع وشراء وغيره؟
05 يناير 2017 20:097 دقائق قراءة
ختمت المقال السابق بسؤال هل تصحُّ تصرُّفات المميِّز من بيع وشراء وغيره؟ وليس المقصود بالتمييز أنْ يُجيبَ الصغيرُ إذا نودِيَ، ولا أنْ يَنْزجرَ إذا زُجر، فهذا المعنى موجودٌ عند الحيوان، وإنما المقصود بالمميِّز ذلك الذي يَفهم مقاصد العقلاء، فإذا كُلِّم بشيءٍ فهم الخطاب، وأَحسن ردَّ الجواب عنه، لا فرقَ في ذلك بين الذكر والأنثى، والتمييز لا ينضبط بِسنٍّ مخصوصٍ، وإنما يختلف باختلاف الأفهام، وغالبًا ما يكون بعد السابعة من العمر، وتصرفات الصبي المميِّز تنقسم إلى ثلاثة أقسام، أولها: التصرفات التي تُنقِصُ مِن مالِه، والتي في حقيقتها ضارَّةٌ ضررًا محضًا، وهي ما كانت تبرُّعًا، وقد مثَّل لها الفقهاءُ لهذا بالهبة والصدقة والقرض والكفالة والإعارة، فجميع هذه التصرفات مآلُها خروج الصبيِّ مِن أمواله، وإبطالُه مِلْكِه بغير نفْعٍ يعود عليه، وهي تصرُّفاتٌ لا تصحَّ منه، محافظةً على ماله، فيسيرٌ على الصغير إنْ طَلب منه زميله أن يهديه ساعته، أنْ يهديها له، وإن كانت ثمينه، وثاني هذه التصرفات، التصرفات التي تزيد مالَه، ولا يترتب على قبولها ضررٌ عليه، أي التصرفات النافعة نفعًا محضًا، وهي ما كانت قبولاً للتبرعات، وقد مثّل الفقهاء لها بقبول الهبة والهدية وقبوله لسائر التبرعات، فجميع هذه التصرفات نفعٌ محض لا ضرر منها على مال الصبي، ولا على بدنه، فلا مانع من صحة قبوله لها، وليس للوليِّ على الصغير منْعه مِن قبولها، وثالث هذه التصرفات: التصرفات التي تحتمل الربح وتحتمل الخسارة، فهي دائرةٌ بين تحصيل المنفعة له ووقوع المضرَّة عليه، ومثال هذه التصرفات سائر المعاوضات التي تَقبل الربح والخسارة، كالبيع والإجارة والجعالة وسائر أنواع التجارات، فهذه التصرفات إن أثمرتْ ربحًا، فهو نفع محض، وإن أثمرتْ خسارة، فهو ضرر محض، فاقتضت حكمةُ المولى تبارك وتعالى، أنْ يجعل إذن الوليِّ أو الوصيِّ مناطًا لصحة هذه التصرفات، رعايةً لمصلحة الصغير، لأنه مَظِنّة الغبن والتغرير، ومَنْعُه من هذه التصرفات قد يُفوِّت عليه المنفعة منها، فكان من حكمة التشريع أنْ فوَّض الوليَّ -لكمال عقله- أنْ يقدِّر المصلحة ويأذن بمقتضاها، فإذا أَجْرَى الصغيرُ عقد تجارةٍ أو بيعٍ أو إجارة، فإنَّ عقده يُعتبر صحيحًا إذا كان بإذنٍ من الوليِّ أو الوصيِّ، أما إذا أَجْرَى العقد مِن غير عِلم الوليِّ، فإنَّ صحَّة العقد تعتبر، غير أنها موقوفةٌ حتى يُجيزَه الوليُّ، بناءً على أنَّ الإجازة اللاحقة مِن الوليِّ بمنزلة الإذن السابق، فإن رأى الوليُّ أنَّ العقد ليس من مصلحة الصغير، لم ينعقد البيع، ومِثل هذا ما يفعله الرجلُ أو المرأة حين يرسلون ابنهم المميز، ليشتري أغراضًا للبيت، مِن أطعمةٍ وغيرها، فهذا الشراء يصحُّ إذا كان الصغير مأذونًا له أما إذا اكتمل عقل الصغير، وهي الحال الثالث، وهي مرحلة حسن النظر في المال بأن يحسن وضع الأمور في مواضعها ويبدأ هذا الحال من البلوغ، وهو الحالة التي إذا وصل إليها الصغير يكون مكتملًا في قواه العقلية والبدنية وبالغًا مبلغ الرجال، فيكون متحققًا بوصف أهلية الأداء، فيصحُّ صدور الأفعال عنه، ويلاحَظ أنَّ البلوغَ ليس سببًا مفضيًا إلى العقل والتمييز، فرُبّ صغيرٍ لم يبلغ الحُلُم، يكون له مِن اعتدال المزاج والوعْيِ ما يجعله مثلَ عقلاء الرجال، وكم من كبير بالغٍ، لم يزل عقلُه ناقصًا لانحراف مزاجه، ولعل سائلا يسأل: فكيف يمكن أن تحكم على الطفل المميِّز باكتمال عقله ونضجه ليصحّ الاعتداد بأقواله وتصرفاته؟، فالجواب: أن التفريق بين آخر مرحلة التمييز وبين أول مرحلة البلوغ صعبٌ، لأنه لا يمكن انضباطه، لأن مرجعَه إلى آثار التمييز، مِن كون تصرفاته على وِزانٍ واحد، وهذه الآثار لا تنضبط، فتعليق الحكم بالأهلية على أمر غير منضبط يفضي إلى حرج، وهو مظنة الاختلاف في تقديره، ولا يؤمَن أنْ يكون سببًا للتنازع، فمن أجل ذلك، أقامَ الشارعُ السببَ الظاهر، وهو البلوغ الذي هو مظِنَّة العقل، مقام المعنى الباطن وهو العقل، تيسيرًا على العباد، فأدارَ الحكمَ معه وجودًا وعدمًا، وللبلوغ علاماتٌ محسوسةٌ ظاهرة منضبطة، لا يمكن الاختلاف فيها، منها في الصغير إنبات الشعر، لما ثبت بحكم العادة، أنَّ الإنبات لا يقع إلا بعد البلوغ، ومنها الاحتلام، ومنها أنْ يبلغ مِن السِّنِّ مبلَغ ما يَبلغه المحتلم، وهي خمس عشرة سنة، وأما الصغيرة فتبلغ بحصول الحيض باتفاق الفقهاء، وفي هذه المرحلة يُعطى العاقل أموالَه، مِن تركةٍ أو غيرها، فيتصرَّف بها كما يشاء، لأنه صار مكتمل العقل.
ختمت المقال السابق بسؤال هل تصحُّ تصرُّفات المميِّز من بيع وشراء وغيره؟ وليس المقصود بالتمييز أنْ يُجيبَ الصغيرُ إذا نودِيَ، ولا أنْ يَنْزجرَ إذا زُجر، فهذا المعنى موجودٌ عند الحيوان، وإنما المقصود بالمميِّز ذلك الذي يَفهم مقاصد العقلاء، فإذا كُلِّم بشيءٍ فهم الخطاب، وأَحسن ردَّ الجواب عنه، لا فرقَ في ذلك بين الذكر والأنثى، والتمييز لا ينضبط بِسنٍّ مخصوصٍ، وإنما يختلف باختلاف الأفهام، وغالبًا ما يكون بعد السابعة من العمر، وتصرفات الصبي المميِّز تنقسم إلى ثلاثة أقسام، أولها: التصرفات التي تُنقِصُ مِن مالِه، والتي في حقيقتها ضارَّةٌ ضررًا محضًا، وهي ما كانت تبرُّعًا، وقد مثَّل لها الفقهاءُ لهذا بالهبة والصدقة والقرض والكفالة والإعارة، فجميع هذه التصرفات مآلُها خروج الصبيِّ مِن أمواله، وإبطالُه مِلْكِه بغير نفْعٍ يعود عليه، وهي تصرُّفاتٌ لا تصحَّ منه، محافظةً على ماله، فيسيرٌ على الصغير إنْ طَلب منه زميله أن يهديه ساعته، أنْ يهديها له، وإن كانت ثمينه، وثاني هذه التصرفات، التصرفات التي تزيد مالَه، ولا يترتب على قبولها ضررٌ عليه، أي التصرفات النافعة نفعًا محضًا، وهي ما كانت قبولاً للتبرعات، وقد مثّل الفقهاء لها بقبول الهبة والهدية وقبوله لسائر التبرعات، فجميع هذه التصرفات نفعٌ محض لا ضرر منها على مال الصبي، ولا على بدنه، فلا مانع من صحة قبوله لها، وليس للوليِّ على الصغير منْعه مِن قبولها، وثالث هذه التصرفات: التصرفات التي تحتمل الربح وتحتمل الخسارة، فهي دائرةٌ بين تحصيل المنفعة له ووقوع المضرَّة عليه، ومثال هذه التصرفات سائر المعاوضات التي تَقبل الربح والخسارة، كالبيع والإجارة والجعالة وسائر أنواع التجارات، فهذه التصرفات إن أثمرتْ ربحًا، فهو نفع محض، وإن أثمرتْ خسارة، فهو ضرر محض، فاقتضت حكمةُ المولى تبارك وتعالى، أنْ يجعل إذن الوليِّ أو الوصيِّ مناطًا لصحة هذه التصرفات، رعايةً لمصلحة الصغير، لأنه مَظِنّة الغبن والتغرير، ومَنْعُه من هذه التصرفات قد يُفوِّت عليه المنفعة منها، فكان من حكمة التشريع أنْ فوَّض الوليَّ -لكمال عقله- أنْ يقدِّر المصلحة ويأذن بمقتضاها، فإذا أَجْرَى الصغيرُ عقد تجارةٍ أو بيعٍ أو إجارة، فإنَّ عقده يُعتبر صحيحًا إذا كان بإذنٍ من الوليِّ أو الوصيِّ، أما إذا أَجْرَى العقد مِن غير عِلم الوليِّ، فإنَّ صحَّة العقد تعتبر، غير أنها موقوفةٌ حتى يُجيزَه الوليُّ، بناءً على أنَّ الإجازة اللاحقة مِن الوليِّ بمنزلة الإذن السابق، فإن رأى الوليُّ أنَّ العقد ليس من مصلحة الصغير، لم ينعقد البيع، ومِثل هذا ما يفعله الرجلُ أو المرأة حين يرسلون ابنهم المميز، ليشتري أغراضًا للبيت، مِن أطعمةٍ وغيرها، فهذا الشراء يصحُّ إذا كان الصغير مأذونًا له أما إذا اكتمل عقل الصغير، وهي الحال الثالث، وهي مرحلة حسن النظر في المال بأن يحسن وضع الأمور في مواضعها ويبدأ هذا الحال من البلوغ، وهو الحالة التي إذا وصل إليها الصغير يكون مكتملًا في قواه العقلية والبدنية وبالغًا مبلغ الرجال، فيكون متحققًا بوصف أهلية الأداء، فيصحُّ صدور الأفعال عنه، ويلاحَظ أنَّ البلوغَ ليس سببًا مفضيًا إلى العقل والتمييز، فرُبّ صغيرٍ لم يبلغ الحُلُم، يكون له مِن اعتدال المزاج والوعْيِ ما يجعله مثلَ عقلاء الرجال، وكم من كبير بالغٍ، لم يزل عقلُه ناقصًا لانحراف مزاجه، ولعل سائلا يسأل: فكيف يمكن أن تحكم على الطفل المميِّز باكتمال عقله ونضجه ليصحّ الاعتداد بأقواله وتصرفاته؟، فالجواب: أن التفريق بين آخر مرحلة التمييز وبين أول مرحلة البلوغ صعبٌ، لأنه لا يمكن انضباطه، لأن مرجعَه إلى آثار التمييز، مِن كون تصرفاته على وِزانٍ واحد، وهذه الآثار لا تنضبط، فتعليق الحكم بالأهلية على أمر غير منضبط يفضي إلى حرج، وهو مظنة الاختلاف في تقديره، ولا يؤمَن أنْ يكون سببًا للتنازع، فمن أجل ذلك، أقامَ الشارعُ السببَ الظاهر، وهو البلوغ الذي هو مظِنَّة العقل، مقام المعنى الباطن وهو العقل، تيسيرًا على العباد، فأدارَ الحكمَ معه وجودًا وعدمًا، وللبلوغ علاماتٌ محسوسةٌ ظاهرة منضبطة، لا يمكن الاختلاف فيها، منها في الصغير إنبات الشعر، لما ثبت بحكم العادة، أنَّ الإنبات لا يقع إلا بعد البلوغ، ومنها الاحتلام، ومنها أنْ يبلغ مِن السِّنِّ مبلَغ ما يَبلغه المحتلم، وهي خمس عشرة سنة، وأما الصغيرة فتبلغ بحصول الحيض باتفاق الفقهاء، وفي هذه المرحلة يُعطى العاقل أموالَه، مِن تركةٍ أو غيرها، فيتصرَّف بها كما يشاء، لأنه صار مكتمل العقل.