الرسالة

سكرةُ الجهل تسُوقُ إلى مهاوي الردى

للكلمة وعي

قيس المبارك 20 يناير 2017 04:04 4 دقائق قراءة


كان الناسُ في الماضي يتعلمون أحكام دينهم مما يسمعونه من

الفقهاء في المساجد، من خطبٍ ومن دروسٍ في الوعظ والتذكير، وكانت هذه الدروس خير سلاحٍ لمواجهة الشذوذ في الفكر والسلوك، من أجل ذلك، فإنا لم نجد في عامة الناس، طيلة الأزمنة الماضية، شذوذا ولا انحرافا، فأهل الكتاب من اليهود والنصارى، عاشوا عدل الإسلام، في سائر البلاد، في مصر والشام والعراق وغيرها، ورأوا رحمة الإسلام التي جعلها الله كافة لجميع الخلق،كما قال سبحانه: (وما أرسلناك إِلا رحمة لِلعالمِين) وإنما كان هذا لأن عامة المسلمين تعلموا دين الله وشريعته من أئمة علمٍ وصدق، يهتدون بهدي سلف الأمة، وشعارهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس إنما أنا رحمة مُهداة) وهو الذي وصفه اللهُ تعالى بقوله: (وإِنك لعلى خُلُقٍ عظِيمٍ) فكانت تصرُفات عامة المسلمين مِن شباب وشيِب، غاية في الانضباط بأخلاق النبوة، ولم تكن تصرُفاتهم تقليدا لزعامات تزجُ بهم في صراعٍ مع زعامات أخرى، ولا انسياقا خلف ردود أفعال غير منضبطة، فواجب العلماء والدعاة، هو بيان حقائق الإسلام، فالعلم حصن ووقاية، وهو عصمة مِن أوثق العِصم، بخلاف الجهل، فإنه يدفع لكثرة الإنكار، ويدعو لتتبُع علامات الكفر في المسلمين، والأصل أن يُحكم على الشخص بالإسلام بأدنى الأسباب، ولا يُحكم عليه بالكفر إلا بدليل لا مدفع له، فالغلط في إدخال ألف كافر بشبهة إسلامٍ، خير من الغلط بإخراج مسلم واحدٍ بشبهة كُفر، كما قال ابنُ فورك، ثم إن الجهل إذا اقترن بفقدانٍ للعدالة، وصاحبهُ حماس وإحباط، فإنه يورث سكرة تُكسِب الإثم وتُورثُ الندم، ويزجُ بالشباب إلى مهاوي الردى، والشباب يُظنُ بهم البساطة والطِيبة مع قلةِ الدِراية والمعرفة، وقد قال النابغةُ:

فإن يكُ عامر قد قال جهلا

فإن مطية الجهلِ الشبابُ

واستقطاب الجماعات المنحرفة للطيِبين البُسطاء -إذا قل علمهم- ليس عسيرا، فما أيسر ما يتلاعب بهم صاحبُ أيِ فكرةٍ، فاختطاف هؤلاء الشباب سهل وميسور، ذلك أنهم أوعية فارغة، تقبلُ ما تُملأ به، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاغترار بالجهال، واتِخاذهم رؤساء، فقال عن حال الناس آخر الزمان: (اتخذ الناسُ رؤوسا جهالا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُوا وأضلُوا) وأيا كانت الجهةُ التي تقف وراء نشأة هذه الجماعات، غيرأن الذي يعنينا، وهو أهمُ علينا مِن الحديث عن نشأتها وأسباب استقطابها لأولادنا، هو كيف نحصِن أبناءنا، وكيف نحميهم مِن أن يكونوا أدوات بأيدي الآخرين، كما قال الشيخ عبد العزيز العلجي، حين قال قبل مِئة عام: «إذا أوقد اﻷعداءُ نارا لِحربنا ¿¿ ¿ فمِنا أثافيها ومنا وقودها» ولعل أول شيءٍ يجب تحصينُأولادنا به هو العلم، والداء إذا عُرف وعُرفت أسبابُه، صار العلاج منه ميسورا، فواجبنا أن نعود بالناس إلى العهد الأول، ولعل خير مُعينٍ على ذلك، تدريس السيرة النبوية، ففيها تتجلى أخلاق الصحابة الكرام وتابعيهم، لئلا يقع في تشدُد وشذوذ، إذا قرأ الحديث الشريف، من غير تفقُهٍ، فيفوته الفهم الصحيح، لأنه قرأه بعيدا عن سياقه ومناسبته، قصيا عن أقوال العلماء في شرحه وبيانه، والغلط في فهم دين الله يوقع في الانحراف والضلال، كما قال سفيان بن عيينة: (الحديث مضِلة، إلا للفقهاء) فالحديث قد يكون عاما في لفظه وقد يكون معناه خاصا، وقد يكون منسوخا أو ناسخا، والعلماءُ ميزوا الناسخ من المنسوخ، كما ميزوا الصحيح من الضعيف، وهذا لا يعرفه إلا من استبحر في العلم، فإذا تسور على العلوم من ليس أهلا لها، فسدت، وصارت مِراء وجدلا وتكفيرا، وقد كان العلماءُ فيما مضى يُحذِرون من الجهل في فهم الحديث، قال الإمام مالك رحمه الله لابني أُخته: (أراكما تُحبان الحديث وتطلبانه! قالا: نعم، قال: إن أحببتما أن تنتفعا به وينفع الله بكما،فأقِلا مِن الحديث، وتفقها) وقال الإمام الشافعيُ: (من حفِظ الفقه عظُمت قيمتُه، ومن تعلم الحديث قويت حجته، ومن تعلم الشعر والعربية رق طبعُه) ومن أجل هذا المعنى قال عبدُ الله بن وهب: (لولا أن الله تعالى أنقذنا بمالكٍ لضللنا) فبقراءة كتب السيرة النبوية وكتب الشمائل المحمدية، يبرزُ لنا هديُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنرى التصرُفات النبوية الشريفة ضمن سياقها ومناسبتها، وبهذا تتهذب الأخلاق، وترتاضُ النفوس على الهدي النبوي الشريف.

أخبار ذات صلة