ذات مساء، في عام 1987م ذهبت إليه كي أُجري معه حوارًا صحفيًّا، كان للملحق الثقافي لصحيفة الندوة، عندما دخلت بيته بدا لي كناسك، كان وحيدًا في عزلته، إلا من قصاصات ورقية تحمل عبقه ورائحة قصائده.
04 مايو 2011 04:51دقيقتان قراءة
ذات مساء، في عام 1987م ذهبت إليه كي أُجري معه حوارًا صحفيًّا، كان للملحق الثقافي لصحيفة الندوة، عندما دخلت بيته بدا لي كناسك، كان وحيدًا في عزلته، إلا من قصاصات ورقية تحمل عبقه ورائحة قصائده.
الذي حفّزني للقاء به لم يكن الحسّ الصحفي، بل الشغف بهذه القامة الثقافية التي يهدر الشعر في داخلها كنهر لا يتوقف، ذلك البريق الذي يسرق أعيننا محتشدًا بالحزن، واللغة التي تشبه الطلقات.
هذا الشاعر الذي ألهم كثيرًا من مجايليه، ورجّ ذائقة المتلقين، في جيزان، قرىً وضواحٍ، أوائل السبعينات الميلادية، وما تلاها.
كانوا يتلقّون نصوصه كالغنائم، ويتدارسونها في مجالسهم كالوصايا.
لم يكن شاعرًا متعاليًا، كان صديقًا للجميع ومن مختلف التيارات والأعمار.
من ألق العشب وحقول الذرة الذهبية، خرج كرمز من رموز القصيدة في المشهد الشعري السعودي.
وظّف كثيرًا من مفردات الحصاد، والحقل، وأناشيد الفلاحين في قصائده، إذْ تعتبر وثيقة وواحدة من مكوّناته الشعرية. رغم أنه لم يطبع أول دوواينه إلا متأخّرًا قياسًا إلى بداياته. إلا أنه كان حاضرًا في ذاكرة المتلقّي.
تجربته الصحفية في اليمامة، وذهابه شاعرًا إلى بغداد، ودراسته في الأحساء، أثّرت كثيرًا في سياقه الإبداعي، كان يحدثنا عنها بحبّ يتألق من عينيه كبرق تهامي حتى أواخر أيامه..
ما الذي عرفته من هذا الرجل؟ الآن كأنّ الذاكرة لا تسعفني، أو كأنها تستعصي أن تبوح للكتابة.
كان بحقّ يعيش الشعر قبل كتابته. كفتىً عشريني، لم يتوانَ عن الاستجابة لأيّ دعوة من مريديه.
عندما أذهب إليه لآخذه معي وهو في قريته (الحرجة) والتي يحلو له تسميتها “الحزام الأخضر”؛ أجده أمام منزله منتظرًا في نهارات جنوبية ساخنة محترمًا للوقت والحياة ومتوهّجا كالذهب، أبادره بالسؤال هل مازلت تحبّ الليل؟ فيردّ أسهر الليل حتى مطلع الفجر.
كأنّ حياته تتنادى من بعيد كهلال القرى وكذلك مماته..
يقول عبدالوهاب البياتي في كتاب المراثي:
قبرك في المنفى
وقبرك في الوطن
قبرك في كلّ مكان
شعّ فيه الضوء والكفن.