يُمثِّل جبلُ الرَّحمة في قلب مشعر عرفات شاهدًا على أعظم المشاهد الإيمانيَّة التي تهفو إليها قلوبُ المسلمِين من شتَّى بقاع الأرض؛ فمنذ بزوغ فجر يوم عرفة، توافدت جموعُ الحجَّاج إلى هذا الصَّعيد الطَّاهر، متضرِّعين إلى الله بالدُّعاء والابتهال في أجواء تغمرها السَّكينةُ والخشوعُ، وتتعالى فيها أصواتُ التَّلبية والتَّكبير في وحدةٍ إيمانيَّة فريدةٍ. وعلى سفوح الجبل ومحيطه، تجلَّت صورٌ روحانيَّةٌ مهيبةٌ لحجَّاجٍ من مختلف الثقافات والجنسيَّات، جمعهم الرَّجاءُ والإخلاصُ للهِ تعَالَى، حيث ارتفعت أكفُّ الضَّراعة، وذرفت دموع الخشوع في مشهدٍ يجسِّد الأثر العميق للوقوف بعرفة في وجدان المسلمِينَ. وشهد الموقعُ حركةً انسيابيَّةً بفضل الخطط التشغيليَّة الميدانيَّة المتكاملة التي نفَّذتها الجهاتُ المعنيَّة لإدارة الحشود، وتنظيم مسارات المشاة، وتسهيل الوصول إلى المواقع المحيطة بالجبل، مع تكثيف الخدمات الإرشاديَّة والإنسانيَّة والصحيَّة على مدار الساعة. وضمن مساعي تحسين تجربة الحجَّاج، برزت مشروعاتُ التَّظليل وتلطيف الأجواء كمبادراتٍ نوعيَّةٍ؛ للحدِّ من آثار الإجهاد الحراريِّ. وخلال موسم حج 1447هـ، أتمَّت شركة «كدانة» المرحلة الثانية من مشروعها؛ ممَّا أسهم في رفع الطاقة الاستيعابيَّة للمناطق المظلَّلة والمبرَّدة خمسة أضعاف، مقارنةً بالعام الماضي؛ لتغطِّي بذلك مساحةً إجماليَّة تتجاوز (272) ألف متر مربع، إذ شهدت هذه المرحلة توسُّعًا نوعيًّا بتركيب (18) مظلَّةً حديثةً مزوَّدةً بـ(36) مروحةَ رذاذٍ، و(7) وحدات متطوِّرة لتلطيف الأجواء، إلى جانب (107) أعمدة لرذاذ المياه؛ لتستكمل بذلك ما أُنجز في المرحلة الأُولَى التي تضمَّنت (3) مظلَّات و(6) مراوح رذاذ، وأكثر من (165) عمودًا، وذلك ضمن منظومة تهدف إلى الارتقاء بجودة الخدمات، وتعزيز كفاءة البيئة التشغيليَّة في المشاعر المقدَّسة. وفي محيط الجبل، حرص الحجَّاجُ على الاستفادة من تلك المساحات لقراءة القرآن والذكر، بينما صدحت الساحاتُ بالدَّعوات بلغاتٍ متعددةٍ، في مشهدٍ يجسِّد وحدةَ المسلمِينَ واجتماعهم على الطَّاعة في هذا اليوم المبارك، وسط منظومة خدمات متكاملة، تعكس حجم الجهود التي تبذلها المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ لخدمة ضيوف الرَّحمن، وتمكينهم من أداء مناسكهم بيُسرٍ وسهولةٍ وأمن وأمان.