أكد المفكر الليبى المعروف الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه عضو الوفد الليبى بالجامعة العربية المستقيل أن مخاوف البعض من التدخلات الخارجية لما بعد القذافى لا أساس لها من الصحة وأن ليبيا لن تكون العراق، مشيرا إلى أن ليبيا مختلفة فى أن أهلها هم الذين قاموا بتحريرها من الطاغية، وما حدث فى ليبيا هو ثورة شعبية واصلت حركتها الكفاحية وطورت أدواتها وأدائها لتتحول الى حرب التحرير الشعبية.

وأكد أن الطريق الى المستقبل فى ليبيا يسير نحو الحرية والتعددية والأمل والمجتمع الحضارى، وقال: إن ليبيا مؤهلة لأن تكون من أرقى المجتمعات وحباها الله بأراضى شاسعة ومن أكبر القطع على البحر المتوسط، بالإضافة إلى الموارد السياحية والبترولية التى قام بصرف عوائدها على العظمة الزائفة.

وأوضح أن هذه الموارد والأهداف سيتم توظيفها عقلانياً منذ السنة الأولى، كما أن الحياة السياسية ستكون وفقا لمعايير ديمقراطية وتعددية وفصل بين السلطات وغيرها.. هذه المبادئ والأهداف هى طموح أى أحد فى العالم ، ولا أحد يكره الاستفادة من مقدرات وطنه.

وقال لـ «المدينة» : إننا سنقيم شراكة قوية مع المجتمع الدولى الراقى ونحن على أعتاب عهد جديد من هذه الشراكة الضرورية للخروج من الظلامية والضبابية التى وضعنا فيها نظام القذافى.

وأشار إلى أن سقوط القذافي يوم انتظره الشعب الليبي منذ 42 سنة من القمع والمعاناة والألم والحرمان من أبسط الحقوق بما فيها حق الشعب في أن يستمتع بثرواته، وغياب الحقوق والظلم والسجن والقمع وظلم الأجهزة الأمنية التسلطية، والشعب لم يكن صامتاً ولم يخنع ولم يرض بالمذلة رغم المهانة، فكانت الانتفاضات التى لم تنقطع سواء أكانت مدنية أم عسكرية فوق وتحت الأرض والتى كان يقوم بقمعها حتى أنه كان لا يريد لأحد أن يتنفس حتى ظن أنه قد أجهز على هذا الشعب، حتى أنه عندما رأيناه يستنكر ثورتى تونس ومصر متسائلاً لماذا لا تهتدون بالشعب الليبى، وكان يتحدث عنه وكأنه جثة هامدة، ولكنها كانت الصدمة مرعبة عندما اندلعت الثورة وبدا عند القذافى نوع من الهذيان فى خطاباته وبدأ سلسلة من التهديدات بفتح بوابات الجحيم ، لأنه ليس من المعقول كيف لهذا الشعب الذى قام بتكفينه أن ينهى عرشه ونظرياته الحمقاء والآن يحقق النصر بدخول الثوار لطرابلس.

وأكد الفقيه أن الشعب الليبي عانى كل هذه المعاناه بدءا من انعدام الحرية ومروراً بالتنكيل والتعذيب وانتهاءاً بالقتل ولن يعود إلى ما كان عليه ولن يرضى عنه إطلاقاً بأن يحرمه من التعبير أو المشاركة أو نزع ثرواته مجدداً، وقد تعلم الدرس وقدم تضحيات جسيمة من أجل الحصول على النصر، بعد أن قام بثورة تعد من أنصع الثورات التى ستأخذ مكانها فى التاريخ بعد التخلص من أشرس الطغاة التى عرفتهم البشرية الذى تسلح بكل أسلحة العصر وسخر المليارات لجلب أدوات الإجرام.

وأوضح الفقيه أن التخلص من هذا الطاغية كلف ليبيا 30 ألف شهيد وقتل ما يعادلهم من قوات القذافى الذين هم أبناء هذا الوطن، و70 ألف جريح ومصاب و40 ألف تم اعتقالهم ومفقودين.

وقال: أتمنى أن يكون القصاص عادلاً من القذافى، لافتاً إلى أنه من العار أن يقتل مرة واحدة، لكن يقتل بقدر عدد الذين قتلهم وشرهم وعذبهم وأبادهم واعتقلهم.

وحول المخاوف من التدخلات الأجنبية فى ليبيا بعد سقوط القذافى، أكد أنه لا مخاوف على الإطلاق، لافتاً أن التدخل الدولي المتمثل في الأمم المتحدة، مدعومة بمبادرة الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي، وإصدار مجلس الأمن القرارين 1970 و1973 لدعم الشعب الليبي، وتأمين حياة المدنيين الآمنين من قصف مدافع وطائرات وراجمات القذافى، كان أمراً ضرورياً لحسم الصراع لمصلحة الثورة ومصلحة الشعب، وإنهاء حكم الطغيان والاستبداد الذي قاد البلاد إلى الهلاك عبر 42 سنة، وقد قدم لنا هدية عندما تم حظر الطيران فوق ليبيا، لافتاً أن الثورة الليبية مثلها مثل التونسية والمصرية فاجأت العالم كله بقدرة شعب على تحرير إرادته وقد صار الأمر محسوماً لمصلحة الثوّار ومصلحة العهد الجديد، وليبيا الجديدة ستتجاوز محنة ما بعد هذا الحكم الذي كان عنواناً للتخلّف والعبث والسفه، وسأنظر الى أبعد من هذا السقوط لأرى ليبيا وقد تحررت من عبء هذا النظام الدموي القمعي اللا إنساني، وسارت في طريق بناء نظام جديد يستمد سلطته من إرادة الناس وصناديق الاقتراع، قائم على الديمقراطية البرلمانية، وتعدد الاحزاب، والحريات العامة والخاصة، حريات التعبير والتفكير والنشاط العلمي والفكري، وحريات الاجتماع وبناء مؤسّسات المجتمع المدني، عهد جديد يكفل صيانة الموارد الهائلة الاقتصادية والمالية التي يملكها الشعب الليبي وتنميتها، والوصول بها الى كل مواطن ليرتفع مستوى معيشة الليبيّين، وتنتهي حالة الفقر والعوز التي يعيشها، ويستلم البلد أهل الكفاية والجدارة بدلاً من أهل الفساد.

وقال إن ليبيا بعد سقوط القذافى سيكون لها شكل ووضع مختلف، وأن المستشار عبدالجليل سيكون رجل المرحلة الحالية للانتقال بالبلاد من حالة البلادة والسلبية التى وضعنا فيها القذافى إلى الأمل والطموح، وله مواقف كثيرة طيبة أثناء تولّيه الوزارة، نتوقع أن يقيله القذافي في وقت معيـن لاعتراضه على وصف أحد أعوان القذافي، في جلسة مؤتمر الشعب العام، بالقائد العظيم، حيث قال بجسارة: لا عظيم إلا الله وهو أول وزير عبر عن احتجاجه منذ أول أيام الثورة، وأعلن استقلاله ، وهو رجل معروف بأمانته ونزاهته وضميره اليقظ، بعدها انهار الحكم في المنطقة الشرقية، وعلى الفور تكونت جهات مرجعية لتسيير هذه الحالة، وانبثقت قيادات ميدانية محلية بشكل عفوي وطبيعي، ومن دون افتعال أو ترتيب لأن الناس كانوا في حاجة لمن يتولى القيادة، فكان أعضاء نقابة المحامين بداية تلك المرجعية، حيث كان نقيب المحامين في بنغازي عبدالحفيظ غوقة، متصدراً تلك العملية النضالية، ثم أنتجت الديناميكية الثورية نسقاً اتبعه الثوار، وهو أن تعمد كل منطقة إلى اختيار عنصر يمثلها في المجلس، وهو ما صار ينطبق حتى على الذين جاء وجودهم في القيادة بشكل عفوي، مثل مصطفى عبدالجليل الذي رجع إلى منطقة البيضاء، لتقوم هي باعتماده ممثلاً لها في المجلس.

وأشار إلى أن هناك عدة مفارقات عجيبة وفاجعة هي أن يبقى رجل فى سدة الحكم مثل القذافى بأفكاره التي تنتمي للعصور الوسطى، ورؤاه القاصرة الغريبة عن روح العصر، مثل الفكرة التي روّج لها في أفريقيا، ردّاً على أفكار الحداثة ودساتير العصر التي تطالب بتحديد المدد الرئاسية، مطالباً هذه الشعوب بالإبقاء على أنظمة الحكم التي تتيح للرئيس أن يستمر في منصبه الى الأبد، يبقى اثنين وأربعين عاماً في منصب الرئيس، بينما لا يبقى بيل كلينتون بأفكاره العصرية ورؤاه المتطورة وأساليبه الناجحة في الادارة غير ثماني سنوات، لأن سنن التجديد والتحديث والتطور، التي ارتآها المشرع الأمريكي، وضعت هذا النص في الدستور، الذي يحتم على الحاكم مهما كانت عبقريته، ومهما كان حجم إنجازه عظيماً، أن يجدد ترشيح نفسه مرة واحدة، وعند نهاية الفترة الثانية يغادر قصر الحكم للساكن الجديد الذي انتخبه الشعب رئيساً. المفارقة الثانية هي أن هذا الحاكم الذي وضع الأغلال والسلاسل في يد ليبيا، وأبقاها تحت إمرته خلال كل هذه المدة، لم يكن يحكم دغلاً كما هو الحال مع أزلامه من ملوك وسلاطين أفريقيا ممن نصب نفسه رئيساً عليهم، أو يحكم قبيلة في الصحراء، أو مجموعة أكواخ في الغابة، بحيث لم تكن لتختلف الحال حتى لو بقي حاكماً لذاك الدغل أو تلك المجموعة من الأكواخ أو الخيام طوال عمره، بل العكس هو الصحيح، إذ كان يحكم دولة تنتمي الى أكثر مناطق العالم تحضراً وتقدماً، تحتل أكبر جزء من شاطئ البحر الأبيض المتوسّط، الذي استوعب كل مراحل التدرج الحضاري منذ فجر التاريخ، وتقع في المكان الذي يمثل تقاطع طرق الحضارات، بين مغرب الوطن العربي ومشرقه، بين العمق الأفريقي والساحل الشمالي للقارة السمراء وبوابة هذه القارة الى أوروبا، فيأتي ليعطل الحياة لأكثر من أربعة عقود بأفكار لا علاقة لها بما يمور في العالم من أفكار حديثة، خصوصاً ما يتصل منها بالحرية والديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان ومجتمع المعرفة.

وأكد الفقيه أن الليبيين عاشوا 42 عاماً في كابوس، وعندما أتى الشعب بعد هذه العقود الطويلة الثقيلة، وطالب بحريته وفك الأغلال والسلاسل التي ربطه بها، تفجّر هذا الحاكم جنوناً وغضباً وإجراماً، وأخرج ما تراكم في ترسانته العسكرية، وباشر إطلاق النار عليه، ورميه براجمات الصواريخ وقذائف المدافع والدبابات والسلاح الجوي، واستخدام القناصة المجلوبين من عصابات المافيا الأوروبية والجنود المأجورين من تشاد ومالي والنيجر، والخبراء القادمين من جيش الدفاع الإسرائيلي.

وعن مستقبل البلاد بعد رحيل القذافى، قال الفقيه: نحن الآن بصدد فترة انتقالية يكون أهم أهدافها إنشاء مجلس مؤقت لإدارة أعمال البلاد، يتمثل من عناصر من مختلف الجهات التى قامت بالثورة، ومجلس لوضع الدستور يضم فقهاء الدستور ومختلف شرائح الشعب، ويستفتى عليه الشعب، ثم نبدأ فى المرحلة التأسيسة للدولة، ثم بعد ذلك نبدأ فى المسيرة الديمقراطية، وإنشاء الدولة الحديثة، التى تمسح آثار العدوان على الدستور والحريات العامة والخاصة، والحياة الحضرية المدنية التى قامت بها العقود الأربعة من الحكم الهمجى البربرى للنظام الانقلابى.