لا توجد حدود معينة لروعة وجمال المشهد في الحجر (مدائن صالح)، فصخورها التي لملمت أسرار العصور الغابرة تشكّل تناغمًا ودفئًا لعلاقة ما زال التاريخ يقصها على الأجيال المتعاقبة. وتقف لتكون شاهدة على صيرورة أحداث المنطقة وبوابة تاريخية كبيرة وحافلة بما خطته أيدي أناس استوطنوا فيها، وعبروا مخلّفين الكثير من الذكريات والآثار.

وإن هذه الآثار، بمخزونها الغنيّ إلى حدّ الترف، تعدّ منجمًا نفيسًا يغري الباحثين والدارسين على الإفادة منه في الوصول إلى جوانب علمية معرفية وتاريخية وأثرية كثيرة.

وما هذه القراءة سوى محاولة لسبر جوانب معينة من هذا الموقع التاريخي في الجزء الشمالي الغربي من المملكة العربية السعودية، حيث نتناول فيها عناصر تحديد الموقع، وتسميته، وبيان الأهمية والخصائص والمقوّمات المكانية التي أكسبته عمقًا تاريخيًا، وأهّلته لاحتضان تلك الحضارات الكبيرة. وكذلك سنتطرق إلى الكتابات والمصادر العربية والغربية التي تعرّضت للحجر (مدائن صالح)، وساهمت في إيضاح بعض الغموض الذي اعتراه على مدى السنوات الطويلة. كما سنفرد الحديث عن المخزون الأثري الذي يكتظ به موقع الحجر (مدائن صالح)، مع وصف مكاني يحدّد مكونات المكان كل على حدة. والإتيان على جوانب من المجتمع النبطي في الحجر، كالعائلة والمرأة والنشاط الحرفي والاقتصادي والتواصل الحضاري.

* الموقع وأهمّيته:

أ- الموقع:

تقع الحجر في الجزء الشمالي الغربي من المملكة العربية السعودية، عند دائرة عرض 47 -26 شمالًا، وخط الطول 53 -37 شرقًا وعلى بعد 22كم، شمال شرق محافظة العلا الواقعة إلى الشمال من منطقة المدينة المنورة على بعد 395 كم منها، وإلى الغرب من منطقة حائل على بعد 411 كم، وكذلك إلى الشرق من محافظة الوجه على بعد 240كلم، أما القادم من شمال المملكة فله أن يسلك طريق العلا تيماء تبوك بطول 495 كلم، أو عبر طريق تبوك العلا المباشر والذي تبلغ مسافته نحو 300 كلم.

ب- التسمية:

يطلق على هذه المنطقة الأثرية مسمى الحجر منذ القدم، حيث ظلّ هذا الاسم وصفًا مستعملًا لها ودالًا عليها في نصوص القرآن الكريم وفي مؤلفات العرب القدامى من المفسّرين والرحالة والأدباء والجغرافيين وغيرهم.

كما أن لفظ (الحجر) كان مستعملًا في عصور ما قبل الميلاد، حيث «ورد ذكر الحجر في بعض المصادر الكلاسيكية في ثنايا الحديث عن الأنباط، فقد ذكرهم المؤرخ ديودور الصقلي معتمدًا على ما كتبه هيرونيموس الذي سجّل كثيرًا من مشاهداته عن الأنباط في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد. وصوّر الجغرافي سترابون جزءا من حياتهم في القرن الأول الميلادي اعتمادًا على ما نقله عن أغاثر خيدس وأثنودور الطرطوسي الذي يقال إنه ولد ونشأ في البتراء عاصمة الأنباط الأولى. ووردت بعض الأخبار عن الأنباط في كتابي المؤرخ اليهودي يوسيفوس «حرب اليهود» و«آثار اليهود»، وكتاب «الطواف حول البحر الإريتري» الذي لم يعرف مؤلفه. كما كان بليني وبلوتاركس وإليوس غالس - قائد حملة غير موفقة على اليمن سنة 24 قبل الميلاد - من بين الذين كتبوا عن الأنباط» (1).

وبالمثل، فقد ورد لفظ (الحجر) في النقوش الأثرية بالموقع نفسه، ومنها النقش المعروف بنقش «رقوش»، الموجود في منطقة (قصر البنت) والذي يعود لفترة متأخرة من تاريخ الأنباط، حيث جاء فيه: «هذا القبر صنعه كعب بن حارثة لرقوش بنت عبد مناه أمه التي هلكت في الحجر..».

وقد ظل اسم الحجر متداولًا كما ورد في تلك المصادر «حتى أطلق اسم مدائن صالح أو مدن صالح أو مدينة صالح على الحجر منذ القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي، حيث ذكر ابن ناصر الدين محمد بن عبدالله نقلًا عن أبي محمد القاسم البرزالي (ت: سنة 739هـ/1338م) «مدائن صالح التي بالقرب من العلا على طريق الحج من الشام بلد إسلامي، وصالح المنسوبة إليه من بني العباس بن عبدالمطلب» فظنّ كثير من الناس أن النسبة إلى نبي الله صالح عليه السلام المرسل إلى قوم ثمود، ثم ذكرها الحسن بن عمر بن حبيب الدمشقي (ت: 779هـ/1377م) في أرجوزته «دليل المجتاز بأرض الحجاز: «ثم يسيرون لمدن صالح وكل قلب للمسير جانح» (2).

وتنبغي الإشارة هنا إلى عدد من الآراء التي ترى أن لفظ (مدائن صالح) قد تلبّس بموقع الحجر نتيجة لقربه من مدينة الرحبة الواقعة إلى الجنوب منه التي ازدهرت في وادي القرى في العصور الإسلامية المبكرة والتي كانت تعرف أيضا بـ »مدينة صالح».

ج- الخصائص المكانيّة:

يعدّ هذا الموقع مسرحًا واسعًا لأحداث جسام نهض بها إنسان الجزيرة العربية القديم، مستفيدًا من الموارد الطبيعية التي تعايش معها واستغلها أحسن استغلال وفرض سكانها تاريخها من خلال ما خلفوه لنا كابرًا عن كابر.

ولا مشاحة في أن ثمة مقومات طبوغرافية وجغرافية وجيولوجية واقتصادية قد ميّزت موقع الحجر أو مدائن صالح، ولعل السمة الأبرز لهذا المكان هي وقوعه على الخطوط الدولية لطريق تجارة العالم القديم الذي يربط جنوب وشرق شبه الجزيرة العربية بشمالها.

وقد احتلت الحجر موقعًا استراتيجيًا عليه نتيجة «لتفرع الطريق منها إلى فرعين: أحدهما يتجه إلى الشمال مباشرة مرورًا بتبوك ثم إلى البتراء عاصمة الأنباط الأولى أو إلى غزة وسيناء، ثم إلى الشام، والفرع الآخر يتجه من الحجر إلى تيماء ثم دومة الجندل ومنها إلى وادي الرافدين.

وبهذا تعدّ منطقة الحجر بمثابة مفيض للطرق التجارية في شمال الجزيرة العربية، حيث تمرّ بها جميع القوافل التجارية القادمة من الجنوب أو من جهة الشرق ومتجهة إلى الشمال وبالعكس. (3)

وهذا ما جعل مدائن صالح تُصبح عاصمة اقتصادية مهمة، وهو أيضًا مما هيّأ لقيام حركة استيطان واستقرار عدة حضارات بلغت شأوًا كبيرًا في مناح عدّة. حيث اتخذها الأنباط عاصمة ثانية لهم بعد البتراء أو (سلع) في الأردن خلال الفترة الممتدة ما بين (168 ق.م - 106م)، ويرجع بعض الدارسين تاريخ الاستقرار البشري بها إلى أبعد من عصور الألف الثالث قبل الميلاد، حيث وردت نصوص في القرآن الكريم تؤكد أن الحجر كانت منطقة مأهولة بالسكان في الألف الثالث قبل الميلاد على أقل تقدير حيث سكنها الثموديون في تلك الفترة، وذلك اعتمادًا على الترتيب القصصي للأحداث كما جاءت في القرآن الكريم.

كما شهدت الحجر وجودًا لحيانيًا في منتصف الألف الأول قبل الميلاد، فهناك مجموعة من النقوش اللحيانية في مواقع مختلفة في المنطقة، من أهمها النقوش المكتوبة في قمة جبل إثلب التي كان يرابط عليها المراقبون اللحيانيون لمتابعة حركة القوافل التجارية القادمة من الشرق والشمال. واستمر وجود اللحيانيين في الحجر حتى تغلب عليهم الأنباط (4).

وبالإضافة إلى وقوعها على طريق التجارة القديم فإن ثمة مقومات أخرى ساعدت على نشوء حركة الاستقرار السكاني منذ قديم الزمان منها توافر الظروف المناخية والبيئية المناسبة كوفرة المياه وعذوبتها وخصوبة التربة، وصلاحيتها للزراعة والجبال الرملية التي ساعدت في تكويناتها الجيولوجية على عملية النحت والزخرفة. إلى جانب الحماية الطبيعية المتمثلة في الكتل الصخرية الهائلة والمنتشرة في أرجاء الموقع.

وبعد انتشار الإسلام في مختلف أقطار العالم، لم يفقد الحجر أهميته فقد عاد النشاط لطريق القوافل الذي كان يخترق هذا الموقع كطريق يسلكه حجاج بيت الله الحرام القادمين من الشام قاصدين المدينة المنورة ومكة المكرمة، وأصبحت الحجر محطة من محطات الحجاج.

وعلى هذا فإنه يمكن القول بأن أهمية هذا الموقع هو ما جعله مقرًّا لتعاقب الحضارات المختلفة عليه؛ بل هو ما أكسبه عمقًا تاريخيًا نادرًا، وليس من المستبعد أن تعود بداية التواجد البشري إلى حقبة زمنية أبعد مما حدّدها بعض الدارسين.

* الحجر (مدائن صالح) في كتابات العرب والغربيين

حظيت الحجر (مدائن صالح) باهتمام كبير من قبل العلماء والمؤرخين والجغرافيين والرحّالة والدارسين المختصين في حقل البحث الأثري / الأركيولوجي، وقد كتبوا عنها، ويمكننا أن نعتبر أن الكتابة عن هذه المنطقة قد مرّت بثلاث مراحل:

أ- المرحلة الأولى: المصادر العربية القديمة

أ- ا: تطرق عدد من اللغويين وشرّاح الحديث والمفسّرين والمؤرّخين والجغرافيين والرحالة المسلمين القدامى لذكر الحجر (مدائن صالح)، وعلى الرغم من أن آثارهم لم تحمل لنا سوى النزر القليل عن وصف المكان والإنسان، وجاءت معظم معلوماتهم بشكل مقتضب ينزع للإيجاز، إلا أنّ الفضل يرجع لهم في التحقق من شخصية الحجر وتسميتها في العصور الإسلامية بذلك الوقت. وتكاد تنحصر موضوعاتهم التي تناولوها عن الحجر في تحديد المسافات بينها وبين الأماكن المجاورة، وذكر قصة نبي الله صالح مع قومه ثمود، والأحاديث المتواترة بهذا الشأن، وكذلك وصف للجبال في الموقع والواجهات الصخرية المنحوتة فيه.

أ 1 1: ومن هؤلاء ياقوت الحموي في [معجم البلدان]، الذي أورد تعريفًا مقتضبا للموقع بقوله: (الحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام). (5)

أ 1 2: وقال الفيروزآبادي في [المغانم المطابة]: (والحجر بالكسر أيضًا قرية على يوم من وادي القرى بين جبال، وبها كانت منازل ثمود، بيوتها في أضعاف جبال تسمى: الأثالث، إذا رآها الرائي من بعد ظنها متصلة، فإذا توسطها رأى كل قطعة منها منفردة بنفسها يطوف بكل قطعة منها الطائف، وحواليها رمل لا يكاد يرتقى إلا بمشقة شديدة، وهناك بئر ثمود التي قال الله تعالى فيها وفي الناقة: لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (6) )(7)

أ 1 3: وقال ابن بطوطة في رحلته: (وفي الخامس من أيام رحيلهم عن تبوك يصلون إلى بئر الحجر حجر ثمود، وهي كثيرة الماء، ولكن لا يردها أحد من الناس مع شدة عطشهم؛ اقتداء بفعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين مر بها في غزة تبوك فأسرع براحلته، وأمر ألا يستقي منها أحد، ومن عجن به أطعمة الجمال، وهنالك ديار ثمود في جبال من الصخر الأحمر منحوتة لها عتب منقوشة، يظن رائيها أنها حديثة الصنعة، وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت، إن في ذلك لعبرة، ومبرك ناقة صالح عليه السلام بين جبلين هنالك، وبينها أثر مسجد يصلي الناس فيه، وبين الحجر والعلا نصف يوم أو دونه.) (8)

أ 1 4: وقال المقدسي في كتابه [أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم]: (الحجر قرية صغيرة حصينة، كثيرة الآبار والمزارع، ومسجد صالح بالغرب على نشزة مثل الصفة، قد نقر في صخرة، وثم عجائب ثمود وبيوتهم..).(9)

أ 1 5: وقال أبو إسحاق الفارسي المعروف بالاصطخري في كتابه [المسالك والممالك] ما نصه: (والحجر: قرية صغيرة قليلة السكان، وهي من وادي القرى على يوم بين جبال، وبها كانت ديار ثمود) (10).

أ 1 6: وبالمثل يرد لفظ (الحجر) والتعريف به في مؤلفات العلماء الآخرين، منهم على سبيل المثال: صفي الدين البغدادي في (مراصد الاطلاع)، والسمهودي في (وفاء الوفاء)، والهمداني في (صفة جزيرة العرب)، والإمام القرطبي في (تفسيره)، والحافظ ابن حجر في (الفتح)، والحاكم في (مستدركه)، وابن منظور في (لسان العرب)، وغيرهم.

أ 2: وتنبغي الإشارة إلى أن لفظ (الحجر) قد ورد في قصائد عدد من شعراء العصرين الأموي والعباسي، وكان الشاعر العذري جميل بن معمر، على رأس أولئك الشعراء وذلك لكونه عاش في وادي القرى المتاخم للحجر، ومن ذلك قوله:

ما أنس لا أنس منها نظرة

سلفت بالحجر يوم جلتها أم منظور

ولا انسلابتها خرسا جبائرها إليّ

من ساقط الأوراق مستور (11)

ب المرحلة الثانية: كتابات الرحالة والدارسين الغربيين

بدأ عدد من الباحثين والرحالة الغربيين بزيارة آثار الحجر ومدائن صالح منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، وكان حافزهم إلى ذلك ما تزخر به المنطقة من مخزون أثري هائل إلى حدّ الترف حيث اهتمّ هؤلاء بجوانب متعددة في تاريخ المكان، فمنهم من ركّز على الكتابة النبطية ونسخ النقوش ودراستها، ومنهم من اهتم بأنماط العمارة ووصف تكويناتها، وما إلى ذلك من جوانب. وقد اتسمت بعض جهودهم بطابع علمي ممنهج ورصين، وسدّت الفراغ الذي أفرزه غياب النشاط البحثي العربي في تلك الفترة.

ب 1: الإنجليزي تشارلز داوتي:

ويعدّ أول من عرض وصفًا تفصيليًا لآثار الأنباط في الحجر، فقد كان أول أوروبي يزورها في العصر الحديث، وقد وصل إليها في مطلع عام 1877 م(12). وكان اهتمام داوتي منصبًّا على نسخ النقوش النبطية والتي نشرها فيما بعد في كتاب عنونه بـ »رحلة في صحراء الجزيرة العربية».

ب 2: الفرنسي شارل هوبير:

زار هوبير آثار الحجر مرتين، الأولى سنة 1881م، وقام بنشر كتاب ضمّنه رسومات للواجهات النبطية ونقوشها. والثانية خلال العامين 1883ـ 1884، وقد قتل قبل أن ينهي رحلته هذه بالقرب من جدة، وكان ذلك في يوم 29 يوليو 1884 م.

ب 3: الألماني يوليوس أويتنج:

قام أويتنج برحلته في شمال الجزيرة العربية خلال العامين 1883- 1884م، وقدّم في كتابه (رحلة داخل الجزيرة العربية) والذي قام الدكتور سعيد بن فايز السعيد بترجمته للعربية، ضمن إصدارات دارة الملك عبدالعزيز. وذلك اعتمادًا على النسخة التي قام بتحريرها كريستين وأوفه بفلمن. وقد قدّم الكتاب معلومات نادرة عن أسماء الأشخاص وتاريخ وجغرافية الأماكن التي زارها، وسخر أويتنج لذلك مواهبه في الرسم والدقة المتناهية في الوصف. وقد نشر كتاب له بالألمانية عام 1885م بعنوان (نقوش نبطية من الجزيرة العربية) ضمّنه ترجمة لها.

كما اتسمت تفاصيل رحلته اليومية بدقة ملاحظاته وعمق الرؤية عن الأوضاع السائدة في ذلك الوقت وذلك على الرغم من أن الهدف من رحلته هو جمع ونسخ النقوش القديمة ودراسة الكتابات العربية بشكل علمي، ومن ذلك قوله في معرض زيارته للحجر: (اقتربنا الآن أكثر من بنايات المقابر الرائعة في مدائن صالح ذات النقوش النبطية الطويلة على واجهاتها، والتي من أجلها كان الهدف الرئيسي لرحلتي إلى جزيرة العرب. لقد رسمت منظرين توضيحيين لعلهما يوضحان كيف كانت تلك المقابر تبدو من بعيد. حينما اقتربنا من المقابر ترجلنا وتركنا الجمال ترعى تحت بصر عبيد، أما أنا فأسرعت إلى المقابر وبدأت أرسمها بهمة وعزم. كانت المقابر منحوتة في الصخر وتكتظّ واجهاتها بالعديد من الزخارف والأشكال المصورة يشكل بارز على الصخر، ولعل الرسوم التوضيحية المرفقة تقدم فكرة بسيطة عن الأشكال الرئيسية على واجهات تلك المقابر. أما أجمل هذه المقابر وأكبرها فهي تلك التي تسمى مقبرة الفريد. والآن لنلقي نظرة على المقبرة من الداخل فهي تحتوي على آرائك (أسرة) الموتى المشابهة لأدراج فارغة أو حفرة مستطيلة منحوتة في جدار صخري، بعضها منحوت في أرضية المقبرة وكأنها توابيت غير مغطّاة.) (13).

ب 4: الفرنسيان جوسين وسافيناك: وينفرد هذان العالمان بترددهما على آثار الحجر لثلاث مرات، حيث كانت الزيارة الأولى لهما في العام 1907م، والثانية في العام 1909م، والثالثة في عام 1910م، وقد أتاحت لهما هذه الزيارات المتتالية فهمًا عميقا للحيّز الأثري، ومن ذلك تصنيف المقابر النبطيّة إلى مجموعات حسب الطرز والخصائص المعمارية والهندسية، إلى جانب دراسة وفحص النقوش المنحوتة على واجهات الأضرحة.

ب 5: وبالإضافة إلى ما تقدّم فقد اتجه إلى آثار الحجر (مدائن صالح) كلّ من الباحث الإنجليزي ج.كوك في عام1903م، والرحالة التشيكي موسل في عام 1914. وشهد العام 1962م قدوم الباحثين الكندي فريدريك وينيت والأمريكي وليام ريد الذين ألّفا كتابهما الهام (تسجيلات قديمة من شمال الجزيرة العربية). كذلك زارت المنطقة الباحثة الألمانية روث شتيل في العام 1966م، وفي العام 1968م أجرى فريق علمي من جامعة لندن بحوثا أركيولوجية بآثار المنطقة، وقامت بعثة من المعهد الجغرافي الوطني الفرنسي في عام 1979م بأعمال مسح وتوثيق وترقيم للموقع، وقام الباحث الأركيولوجي جون هيلي في العام 1993م، بإعداد دراسة متخصصة عن النقوش النبطية في مدائن صالح.

ج المرحلة الثالثة: كتابات الباحثين العرب المعاصرين

نشطت الجهود البحثية والدراسات ذات المنهجية العلمية الدقيقة للباحثين العرب والسعوديين على وجه خاص في تناول منطقة الحجر (مدائن صالح) وذلك خلال العقدين الأخيرين من القرن الميلادي المنصرم، واتسمت أطروحاتهم بالرصانة والموضوعيّة. وقد دوّن هؤلاء انطباعاتهم عن الموقع ونتائج دراساتهم وأبحاثهم، بالإضافة إلى ما نشره الدارسون من بحوث بنيت على أعمال التنقيب والبحث الأركيولوجي الميداني ونتائج أعمال الحفريات. وقد تناولوا موضوعات تاريخ الحضارة النبطية القديمة وتجلياتها المختلفة والمكوّنات الأثرية المتنوعة.

وممّن تطرق لدراسة آثار الحجر، على سبيل المثال لا الحصر، العلامة حمد الجاسر يرحمه الله، وعبدالرحمن الطيب الأنصاري، وعبدالله بن آدم نصيف، وحسين بن علي أبو الحسن، وسليمان بن عبدالرحمن الذييب، وهتون الفاسي، كما تطرق لها كل من خليل المعيقل، أحمد غزال، ومحمد عبدالحميد مرداد، وغيرهم من المهتمين والمختصين.

كما لا يمكننا تجاوز هذه النشاط في مجال البحث الأثري الحديث، دون الإشارة للجهود التي قامت بها

حكومة المملكة العربية السعودية من خلال وكالة الآثار والمتاحف بوزارة المعارف سابقًا أثناء إشرافها على الآثار. وقد نشطت خلال العقدين الماضيين حركة الكشوف الأثرية في المملكة العربية السعودية وكان ذلك محصلة لاهتمام الدولة بقطاع الآثار ودعمها المستمر لأعمال المسوح والتنقيبات الأثرية حيث وضعت إدارة الآثار والمتاحف خطة خمسية للمسح الأثري الشامل لأراضي المملكة العربية السعودية وقد نتج عن ذلك تسجيل أكثر من أربعة آلاف موقع أثري بالإضافة إلى عدة آلاف من مواقع النقوش والرسوم الصخرية.

وعند تأسيس قسم الآثار والمتاحف في جامعة الملك سعود عام 1398 هـ/1978م، تبنى القسم مشروعات بحثية وميدانية متعددة، وفي موقع الحجر (مدائن صالح) كشفت أعمال الحفر عن بقايا المنطقة السكنية الواقعة في السهل الممتد بين المقابر المنحوتة في الجبال، وقد تبين من نتائج الحفر أن المنطقة السكنية تعود للفترة النبطية.

وبعد إنشاء الهيئة العامة للسياحة والآثار، أوكل إليها مهام الإشراف على الموقع، والتي واصلت العناية به، وتوّجت مساعيها بتسجيل موقع مدائن صالح في قائمة لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو في يوليو من العام 2008م بما يحمله ذلك من انعكاسات إيجابية على هذا الإرث الإنساني الحافل بالعراقة.