تواجه بلدية جدة التاريخية منذ إنشائها قبل عام تحديات عديدة وصراعات على عدة جبهات مع عدد من الملفات، بداية من مياه الأمطار التي تسببت مطلع العام في انهيار 7 مبانٍ وتضرر 33 آخرى، إلى العمالة المخالفة التي تساهم في تقصير عمر المباني من خلال استغلالها في نشاطات تجارية واستخدامها بطرق تضر بسلامتها، فالإهمال الذي طال المنطقة لوقت طويل وأدى إلى انهيار ما يقرب من 100 مبنى منذ مطلع القرن الهجري الحالي، لا يمكن القضاء على آثاره بين ليلة وضحاها كما يقول رئيس بلدية جدة التاريخية المهندس سامي نوار الذي يسابق الزمن لقبول ملف انضمام المنطقة إلى قائمة التراث العالمي من قبل منظمة اليونسكو بعد سحبه قبل أشهر قلائل، فالمهمة باتت أصعب مع ارتفاع عدد المباني المطلوب حمايتها حسب اشتراطات اليونسكو الجديدة، ومع انضمام 300 مبنى من العمارة التقليدية بالإضافة إلى المباني المسلحة التي يعود تاريخ إنشائها إلى ما قبل العام 1950م ليصل إجمالي عدد المباني تحت الحماية إلى أكثر من ألف مبني بعد أن كانت تقتصر سابقا علي 375 مبني مصنفة بأنها تاريخية.

وأشار نوار إلى أنه من أصل 440 مبني كانت موجودة في العام 1400 هـ وصنفت حسب دراسة عالم الآثار روبرت ماثيو على أنها تاريخية، لم يتبق حاليا إلا 375 مبني تعرضت 40 منها العام الماضي إلى أضرار بسبب الأمطار تراوحت ما بين انهيار 6 مبانٍ بشكل كامل وتضرر 17 مبني بنسبة 15% إلى 30%، فيما المتبقي يشتمل على تصدعات أخف.



ترميم عين فرج يسر



وعن انتهاء عمليات الترميم الجديدة التي طالت عين فرج يسر الأثرية مؤخرا بعد إهمال طالها وحولها إلى مكب للنفايات سابقا، نفى م. نوار قيام البلدية باستعمال الأسمنت الأسود أو الدهان العادي في الترميم، وقال: «أجرينا دراسة بمساعدة فريق استشاري من الخبراء الأجانب ومهندس سعودي مختص يحضر لشهادة الدكتوراة، ولم نستخدم الأسمنت الأسود لأنه لا يتآلف مع الحجر المرجاني المستخدم في العين، ونحن نطالب أصحاب المباني التاريخية بعدم استعماله في عمليات الترميم». وعزا التأخير في عمليات صيانة ونظافة العين بعد تعرض جزء منها للانهيار خلال السيول الأخيرة إلى عملية نخل تربتها لضمان عدم تضررها بأي آثار قد تكون مخبأة داخلها من خلال عمليات الجرف العشوائي، وهو ما يستدعي وقتا أطول من المعتاد.

وطمأن م. نوار محبي التراث والآثار إلى مستقبل العين، مؤكدًا أن المستقبل القريب سيشهد تسويرها بألواح زجاجية لإتاحة الفرصة للزوار لمشاهدتها، وتزويدها بلوحة إرشادية توضح تاريخها الذي يعود إلى 5 قرون وسبب إنشائها خلال الحصار البرتغالي للمدينة، مشددًا على أنه ستفرض غرامات على أي شخص يلقي نفايات فيها إلى حين الانتهاء من هذه الأعمال.



10 مبانٍ معرضة للانهيار



ومن المفارقات الغريبة أن المنطقة الشمالية من جدة التاريخية والتي تقع خلف فندق البيعة (حارة الشام والمظلوم)، وكان يقطنها أعيان المدينة من كبار التجار في الماضي، هي الآن الأكثر تعرضا للإهمال في كامل المنطقة، وقد تناول تحقيق موسع وموثق بالصور لـ «المدينة» بتاريخ 17-6-2011 م وتحت عنوان: «تراث جدة يحتضر والإنقاذ يحتاج لعناية مركزة»، الأحوال المتردية هناك، وحين استفسرنا م. نوار عن الأسباب أرجعها إلى وجود أولويات تحكم عمل البلدية، وقال: «هناك 10 مبانٍ معرضة للانهيار في أي لحظة ونحن نعمل علي تعليقها وتدعيمها استعدادا لموسم الأمطار»، مضيفا: «السلامة العامة أولوية، وسنبدأ العام المقبل في تطوير وترميم حارة الشام والمظلوم ومحور مسجد أبو عنبة، حيث حدث الحريق الكبير ومدة التنفيذ من سنتين إلى ثلاث سنوات».

توقف العمل في سوق البدو



وأرجع سبب التوقف في تبليط جزء من سوق البدو إلى توقف استيراد البلاط المستخدم نتيجة للأوضاع الحالية في كل من سوريا واليمن البلدين المصنعين له، بالإضافة لتركيز أعمال البلدية حاليا على محوري سوق العلوي وسوق الندي حسب العقود التي وقعتها. ودافع عن المجهودات والإنجازات التي تبذلها وحققتها بلدية جدة التاريخية لتطوير المنطقة في وجه سيل الانتقادات التي تتعرض لها من الإعلام، متهما بعض وسائل الإعلام بالبحث عن الإثارة، وطالبها بمقارنة أوضاع المنطقة حاليا بما كان عليه الحال قبل عامين، وقال: «منذ 7 أشهر لم يحدث أي حريق في المنطقة، وقمنا بفضل الدوريات المستمرة التي يقوم بها مراقبونا بتعليق بعض البيوت الآيلة للسقوط بعد إخراج السكان الغاصبين منها، وبفضل الله وبالرغم من انهيار 6 مبانٍ العام الماضي ساهمت مجهوداتنا في عدم حدوث إصابات». وأضاف: «انتهينا كذلك من ترميم بيت نصيف ولقينا إشادة من سمو رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود الذي وقف على الأعمال بنفسه، ومن جميع المهتمين بالتراث الذين شاهدوا المبني بعد انتهاء عمليات الترميم».



لا نملك عصا سحرية



وشدد رئيس بلدية جدة التاريخية على أن الأمانة لا تملك عصا سحرية لتغيير واقع المنطقة التاريخية بين ليلة وضحاها، وقال: «ترميم المباني القديمة يستغرق وقتا، فهو يحتاج لدراسات قبل البدء في أعمال التنظيف والترميم»، وأوضح أن البلدية تعمل حاليا على 3 مشاريع كبيرة، أولها استكمال ترميم عدد من المباني حسب خطة موضوعة، ورصف 63 ألف متر مربع، وتركيب أكثر من 300 عمود إنارة، ومشروع الاستعداد لموسم الأمطار، وأخيرا مشروع شبكة إطفاء الحرائق من خلال إنشاء خزان كبير انتهى العمل فيه وتمديد مواسير تصل لكل زوايا المنطقة التاريخية، لتمكين رجال الإطفاء من القيام بعملهم خلال حدوث حريق لا قدر الله عبر وصل خراطيم مياه بمحابس موجودة في كل مكان، لإطفاء الحريق دون الحاجة لدخول عربات الإطفاء الكبيرة في الأزقة الضيقة وما يرافق ذلك من تأخير في وصولها سريعا إلى موقع الحريق.



ملاحقة العمالة المخالفة



وفي نفس السياق أكد م. نوار وجود حملات متوالية للقبض على العمالة المخالفة تشارك فيها الأمانة مع عدد من الجهات المختصة، مشيرا إلى أن عدد المخالفين من المقيمين في المباني القديمة تناقص كثيرا مقارنة بالماضي، وإن كان لم يصل إلى المأمول وهو القضاء علي هذه الظاهرة تماما، لكن -وبحسب قوله- فالأمور في هذا الملف تسير في الاتجاه الصحيح.

د. مرتضى: 5 كتب بالإنجليزية لتوثيق العمارة التقليدية في المملكة بتقنية الليزر ثلاثي الأبعاد

عبر عضو هيئة التدريس بكلية تصاميم البيئة الدكتور هشام مرتضى عن أسفه لاندثار العمارة التقليدية (التراثية) في عدد من مدن المملكة الهامة وعلى رأسها مدن مكة المكرمة والمدينة المنورة وينبع وأملج، محذرًا من لحاق التراث المعماري بمدينة الوجه بما حدث مع نظيره في المدن السابقة، متمنيًا أن يتم المحافظة على ما تبقى من مبانٍ تاريخية في جدة لا يوجد لها نظير في العالم، ولا يمكن تصنيفها تحت أي نمط معماري سابق عليها سواء أكان عثمانيا أم مملوكيا أو غيرهما، عازيا هذا التفرد في النموذج العمراني بجدة إلى الطبيعة الجغرافية والمناخية والاقتصادية التي تمتاز بها عن غيرها من المدن.

وعن الإمكانيات التي يتيحها استخدام تقنية مسح الليزر ثلاثي الأبعاد، أوضح أن غالبية زوار المنطقة التاريخية لا يعرفون أن بعض المباني التي يشاهدونها أمامهم لم تكن طوال الوقت ومنذ تأسيسها على هذه الصورة ككتلة واحدة، بل طالها التغيير مع مرور الأيام بالإضافة إليها من خلال بناء أجزاء جديدة (كان أبناء الكثير من العوائل القديمة لا يغادرون بيت رب الأسرة بعد الزواج)، وضرب مثلا بمنزل عائلة النوار الذي أظهر مسح الليزر ثلاثي الأبعاد أنه بني قبل أكثر من مائتي عام.

وقال: أظهر المسح أيضا إضافة ملحق إلى البيت الأصلي بعد مرور مائة عام من بنائه، وكل بيت له خصوصية معمارية ينفرد فيها عن غيره.

وشرح د. مرتضى أبعاد تقنية مسح الليزر ثلاثي الأبعاد بالقول: «3d laser scanning عبارة عن تصوير بانورامي يكشف عبر تقنيات خاصة عن طبيعة المساقط والإنارة المستخدمة في المبني، والمواد المستعملة وطريقة البناء، وتحديد مقاساته بدقة متناهية»، مضيفا: «وبمساعدة هذه المعلومات ومع بعض الأسئلة الأخري لأفراد العائلة الأكبر سنا عن معلومات أخرى نستطيع تحديد الخصائص المعمارية والفنية للمبني».

حديث د. مرتضى لـ «المدينة» تم في مبنى بلدية جدة التاريخية خلال قيادته لعمليات مسح الليزر ثلاثي الأبعاد (3d laser scanin) لعدد من المباني القديمة بالمنطقة التاريخية تهدف إلى توثيق المعلومات الفنية والخصائص المعمارية التاريخية لها، والتي يقوم بها فريق مكون من 6 باحثين مختصين في هذا المجال من النمسا وبمشاركة 25 طالبا من فروع الكلية المختلفة، ويعمل حاليا على منزل عائلة ولي، بعد أن انتهى في وقت سابق من عمليات المسح لمنزل عائلة النوار.

وتابع: «هدف فريقي البحثي الرئيس هو إصدار 5 كتب باللغة الإنجليزية عن العمارة التقليدية بالمملكة العربية السعودية تتناول الجوانب الفنية والتاريخية».

وقال إنه وفريقه بدأوا العمل في جدة منذ ثلاثة أسابيع، بعد أن عملوا في وقت سابق بكل من ينبع، الوجه، وأملج، وأشار إلى أن ذلك يتم في سياق مشروع لتوثيق العمارة التقليدية في مناطق المملكة الخمس عبر تقنية مسح الليزر ثلاثي الأبعاد، متوقعا أن يستمر العمل في كل منطقة ما بين 4 و7 أشهر.